{ وليستعفف } أى يكف النفس عن الزنى ، ومقدماته بالصوم كما في الحديث ، وبما أمكن كالجوع ، وكالاشتغال بالعبادة ، وعن كسب المال الحرام للتزوج { الَّذين لا يجدون نكاحًا } أسبابه ، أو ما ينكح به من المال كركاب بمعنى ما يركب ، أو امرأة منكوحة ككتاب ، بمعنى مكتوب ، ولا ينافيه قوله D: { حتى يغنيهم الله من فَضْله } ، لأن المعنى عليه حتى يغنيهم من فضله بوجودها ، أو وجود مال يتزوجها به ، وإن خاف الزنى لو لم يتزوج ، والجور بمنع الانفاق عليها إن تزوج تزوج ، وعالجالانفاق كذا قال بعض قومنا وعدمه أولى عندى ، بل أوجب لقوله A: « فليصم فان الصوم له وجاء » وحق المخلوق كانفاق مقدم ، ولا يجده فليترك التزوج .
{ والذين يبتغون الكتاب } مصدر كاتب يكاتب ، يطلبون أن يقع الكتب بينكم ، بأن تبيعوا لهم أنفسهم ، فيكونون أحرارًا بثمن تكتبون أنه يؤدى كذا وقت كذا ، وكذا وقت كذا ، وجاز لوقتين فصاعدا أو لوقت نقدا ، فإن لم يجدوا التزوج قبل وجدوه إذا كوتبوا ، وهم أحرار من حينهم عليهم دين لمكاتبهم ، وأما قوله A: « المكاتب عبد ما بقى عليه درهم » ففيها إذا قال السيد: إذا أعطيتنى كذا فأنت حر ، وإلا فهو كسائر المبيعات يملكها من اشتراها من حين البيع { ممَّا مَلَكَت أيمانكم } من عبيد أو إماء ، وفى الذين تغليب الذكور ، وأول من كاتب عبد الله بن صبيح ، سأل سيده حوطب ابن عبد العزة المكاتبة فأبى ، فنزلت الآية ، ويقال: أول من كتابه المسلمون عبد لعمر رضى الله عنه يسمى أبا أمية ، ولفظ الكتابة إسلامى لا يعرف في الجاهلية .
{ فكاتِبُوهم إن عَلمتم فيهم خيرا } الفاء في خبر المبتدأ لشبهة باسم الشرط في العموم ، أو صلة على أن الذين منصوب على الاشتغال لئلا يخبر بالأمر ، والأمر للندب على الصحيح ، وقيل: للوجوب كما قال أنس: سألنى سيرين الكتابة فأبيت ، فشكا الى عمر فأقبل علىّ بالدرة وتلا: { فكاتبوهم } الآية ، وقال: كاتبه أو لأضربنَّك بالدرة ، وهو ظاهر الأمر ، لأن أصله الوجوب ، وإن لم يطلبوا المكاتبة فلا وجوب ، ولا ندب .
والخير أمانة وقدرة على الكسب ، كما فسره A بهما ، وفى رواية إن علمتم حرفة فيزداد على هذه الرواية أمانة كما في الرواية الأولى ، لأن الحرفة لا تنفعه مع الخيانة ، فانه معها يماطله ، أو لا يعطيه البتة ، ولم يسترط بعضهم الأمانة ، وفسر بعضهم الخير بالمال ، وفيه أنه لو كان كذلك لقيل: ان علمتم عندهم خيرًا ، أو اجيب بأن المراد قدرة على الكسب فعبر بما هو المقصود الأصلى ، وفيه تكلف ، وقيل الصلاح وهو وجيه ، فإن لم يعرف الصلاح لم يجب ولم يندب اليه ، لأنه قد لا يفئ بالمال ، ويناسبه قول بعض أنه أن لا يضر المسلمين بعد الكتابة .