فهرس الكتاب

الصفحة 2261 من 6093

{ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ } الدالات على رسالتك اللاتى اقترحتها قريش منك { إِلاّ أَنْ كذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ } فيكذبون بها كما كذب بها الأولون المهلكون بالتكذيب ، فيستحقون الإهلاك كالأولين ، وليس في قضائنا إهلاكهم كالأولين باموت فجأة بمرة أو بالصواعق وبالإغراق أو نحو ذلك لإتمام أمر محمد ، ومن يؤمن من أمته ، ومن يلدون من المؤمنين اقترحوا منه صلى الله عليه وسلخ أن يجعل الصفا ذهبًا ، وأن يزيل الجبال من مكة للحرث ، وينحر العيون ونحو ذلك ، فسأل الله فأجابه على أنه إن لم يؤمنوا عجَّل إهلاكهم كثمود وقوم عيسى ، فقال A: « لا أريد إهلاكهم رجاء للإيمان » فنزلت الآية .

والمنع الصرف عن الشئ قهرًا أو استيلاء ، والله لا يقهره أحد ، ولا يستولى عليه ، قيل فهو بمعنى الترك ، والمعنى وما تركنا ، وذلك تعبير بالسبب ، والملزوم عن المسبب واللازم ، وفيه أنه لا يتصور أن يكون إن كذب بها الأولون فاعلا لمنع مع أنه بمعنى الترك ، لأن التارك هو الله ، لا تكذيب ، وأجيب بأنه لا يلزم اتحاد الفاعل في المعنى الحقيقى والمجازى ، وهو جواب لا يصح فإنه لا بد من موافقة العبارة في المعنى المجازى لها في المعنى الحقيقى ، والمناسب تركها بإسكان الكاف أن يكون إن كذب تعليلا بلام محذوفة ، فالواضح أن يفسر منعنا بصرفنا فلا قهر .

والباء في بالآيات صلة في المفعول أو الملابسة ، والمفعول محذوف أى لن ترسل رسولا متلبسا بالآيات ، والضمير في بها للآيات علىرطريق الاستخدام ، لأن ما أرسله على الأولين ليس عين ما يرسله على قريش لو كان يرسله ، أو يقدر مضافًا أى إِلا إن كذب بمثلها .

ويجوز أن يكون منعنا بمعنى دعانا فيندر إلى أن نرسل ، والمراد الأولين المهلكون بالعذاب كقوم نوح وعاد وثمود ، ممن قريش على طبيعتهم ، وصرح ببعض الأولين المكذبين بالآيات المفترحين لها ، المهلكين في قوله D:

{ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ } خارجة من صخرة ، وبْراء عشراء أو يتبعها ولدها على ما في محله { مُبْصِرَةً } مهتدية ، إسناد الاهتداء إليها مجاز عقلى ، لأنها سبب فيه ، لو عقلوا أو يقدر مضاف أى مبصرًا أهلها لو عقلوا ، وأولى من ذلك أنه متعد أى مصيِّرة للناس بصيرين أو مهتدين ، لو تأملوا لخروجها من صخرة ملساء حاملة بولدها ، أو خروجها به تابعًا لها ، وعظم جثتها وضرعها ، أو ذلك النسب أى ذات بصيرة في نفسها أى اهتداء كالعاقل ، أو ذات إِبصار للناس .

{ فَظَلَمُوا بِهَا } ظلموا أنفسهم بسببها ، إِذ قتلوها ، أو كانوا ظالمين بسبب قتلها ، وقيل: ظلموا بها: كفروا بها ، وأهلكهم الله ، وخص الناقة بالذكر لأنها من أموال العرب ، وهم عرب ، ولأن ثمود عرب ، ولأنهم أجدادهم ، ولأنهم يمرون بمنازلهم في الذهاب إلى الشام ، فيشاهدونها .

{ وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفًا } ما نرسل الآيات فالباء صلة ، أو ما نرسل نبيًّا مع الآيات إِلا تخويفًا للكافرين من نزول العذاب ، فإن كانت بغير اقتراح ولم يؤمنوا ، ترك إهلاكهم ، ويموتون بدون استئصال ، وعذبوا يوم القيامة ، فالتخويف مع الاقتراح بعذاب الدنيا وبعده عذاب الآخرة ، ومع غير اقتراح كسائر المعجزات ، وكتب الله كالقرآن بعذاب الآخرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت