{ إذْ قَالِتٍ المَلاَئِكَةُ } جبريل ، أو هو وجماعته { يَامَرْسَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ } زمان التبشير وزمان الاختصام ، وساع التبشير في بعض ، والاختصام في بعض منه سابق بمدة طويلة كما مر ، وذلك كما يقال ، كان كذا وكذا يوم كذا ، أو شهر كذا أو عام كذا ، أو قرن كذا ، واحد في وقت ، والآخر في وقت من ذلك { بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ } ولد ، يكون بكلمة كن كما مر بيانه بلا أب ، كقوله تعالى في آدم ، ثم قال له كن ، وقيل ، سمى لأن الله يهدى به كما يهدلا بكلمته سبحانه . قال نصرانى حاذق طبيب لعلى بن الحسين الواقدى بحضرة الرشيدن إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله ، وتلا قوله تعالى ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فقرأ الواقدى: وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ، فيلزم أن الأشياء جزء منه تعالى ، فانقطع النصرانى وفرح الرشيد فرحا شديدا ، وأعطى الوقادى صلة فاخرة { اسْمُهُ } اسم الكلمة ، وذكرهاه لأنها عيسى ، ولأن الخبر مدكر ، وهو قوله { الْمَسِيحُ } لقب يدل على المدح ، معناه المبارك في العبرية ، وأصله فيها مشيحا ، وقيل ، لفظ عربى مشتق من المسح ، إذ مسح بالبركة أو بالتطهير من الذنوب ، أو مسحه جبريل يحتاجه صوتا من الشيطان وقت الولادة ، أو بيده تبركا به ، أو كان ممسوح القدمين ، لا أخمص لهما ، أو ممسوح بدهن من الله ، تمسح به الأنبياء فقط حال لاولادة ، تعرفهم الملائكة أنبياء به ، أو خرج من بطن أمه ممسوحا بدهن ، أو مسح جهه بالملاحة ، فعيل بمعنى مفعول ، والميم أصل لا زائد ، أى لأنه يمسح الأرض ، أو يقطعها ، لا يقيم في موطن ، او لأنه يمسح ذا العاهة فيبرأ ، أو لأنه يمسح رأس اليتيم لله D ، والزائد الياء ، أو لأنه يسيح في الأرض ، فالزائد الميم ، فعيل بمعنى فاعل { عَيسَى } عطف بيان أو بدل ، أو هو عيسى ، فليس اسمه مجموع قوله المسيح عيسى { ابْنُ مَرْيَمَ } كما قيل ، فالمسيح ، لقبه ، وعيسى اسمه ، وابن مريم كنيته ، والنمشهور أن الاشتقاق لا يدخل الأسماء العجمية ، وقيل ، التحقيق دخوله إياها ، كما تشاهد فيها المعانى المثدرية والأفعال الماضية والمستقبلة والأمر ، وأقول لا محيد عن ذلك إلا أنه ليس يجوز أن يدعى لفظ عجمى مشتق من لفظ عربى باعتبار المعنى ، مثل أن يقال عيسى عبرانى مشتق من العيس ، وهو البياض ، وكان أبيض إلى حمرة ، وخاطبوا مريم بنسبته إليها إيذانا بأنه يكون بلا أب ، وإيذانا بكنيته ، والمعتاد نسبة الناس إلى الآباء ، ولذلك نسب إليها ولم يقولوا ابنك { وَجِبهًا } ذا جاه ، أى قوة ومنعة وشرف ، وقيل وجاهته أنه لا يرد سائلا ، وقيل إنه نبى ، وأنه تقبل شفاعته في الآخرة ، وقبول دعائه ، وإبراء الأكمه والأبرص وقيل براءته مما رمته اليهود به ، وهو من الوجه ، لأنه أشرف الأعضاء ، والجاه مقلوب منه ، وكذا قال في موسى ، كان وجهها ، وهوحال من كلمة ، أو من ضميرها في الاستقرار ، لأن منه نعت كلمة ، وهى حال مقدرة لأن وجاهته تأتى بعد { فِى الدُّنْيَا } بالنبوة وشفاء الآفات ، وبراءته مما قالت اليهود ، كما برىء موسى مما قالت اليهود { وَالأَخِرَةِ } بالشفاعة في أمته المحقين ، وكثرة ثوابه وعلو درجته { وَمِنَ الْمُقَرَبِينَ } وكائنا من المقربين عند الله ، ودنيا وآخرة ، ومن هذا رفعه إلى السماء وصحبته للملائكة وقبول كلامه .