{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملاَئِكَةَ } كما اقترحوا يشهدون أَنك رسول الله كما قالوا { لولا أَنزل علينا الملائكة } وكما قالوا { أَو تأْتى بالله والملائكة } { وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى } حقيقتهم الصادقة بمن اقترحوه كقصى وجدعان وآبائهم كما قالوا « فأتوا بىبائنا » أَو كلمهم الموتى زيادة على من اقترحوه ، سأَلوا إِحياءَ قصى وجدعان بن عمرو ، وكانا كبيرين صدوقين ، وفيشهدان بنبوءَتك { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَئٍ } من الأَحياء والأَموات ، من البعوضة وما دونها والفيل وما فوقه زيادة على ما اقترحوه مما ذكر ومن جعل الصفا ذهبا وإِفساح الجبال { قُبُلًا } معاينة ، وهو مصدر ، أى ذوى معاينة أو مقابلين أو نفس المقابلة مبالغة ، أَو ظرفًا أَى جهة ، وأَفصحوا كلهم بنبوءَتك وبرسالتك { مَا كَانُوا لِيُؤمِنُوا } لقضاء الله بكفرهم ، فالآيات ولو عظمت لا تردهم عن الكفر ، وقضاء الله لا يرده شئ ، ولا آية أَعظم من قيام الساعة ودخول النار ، وقد قال الله D { ولو ردوا لعادوا } فإِنزال الآيات بوفق ما طلبوه تحكم محض وموجب للتسلسل ، ولأَنه لا تنتهى الحجة إِلى مفصل ، وذلك سد لباب النبوءَة ، ولا منافاة بين كون الأَفعال مخلوقة لله D وكونها مكسوبة للخلق بقدرتهم واختيارهم . وقدرتهم مؤثرة بإِذن الله تعالى لا استقلالا كما تقول المعتزلة ، ولا غير مؤثرة كما قال الأَشعرى أَبو الحسن القائل أَنها مقارنة للفعل الذى هو يمحض قدرة الله D ولا عهى منفية كما قالت المجبرة ، وذلك مذهبنا ومذهب الأَشاعرة ، ولم يتبعوا إِمامهم في قوله المذكور عنه ، ولعله لا يصح عنه لظهور بطلانه جدًا { إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ } إِيمانهم في تأْويل مصدر على تقدير اللام أَى ما كانوا ليؤمنوا لشئ من الأَشياء إِلا لمشيئة الله أَى يقدر في حال من الأَحوال ، إِلا حال مشيئة الله ، والاستثناء متصل مفرغ ، والمراد في الآية مجازات الظاهر بقطع النظر عن حقيقة الأَمر الذى هو القضاء ، فإِن ما قضاه الله لا يجوز أَن يقع خلافه ، ولا يوصف بجواز أَن يشاء وقوعه ويكون إِلا جوازًا يقطع به النظر عما قضى ، فبهذا الجواز صح الاستثناء ، ويجوز أَن يكون منقطعًا ، أَى لكن مشيئة الله هى القاضية ، أَو إِلا مشيئة إِيمان من يؤمن غير هؤلاء الأَشقياء ، والآية دليل على أَن الله أَراد كفر الكافر وشاءَه ، ولا يقع في ملكه ما لم يشأ ، ولم يخرج عن ملكه شئ ، ودعوى المعتزلة أَن المعنى إِلا أَن يشاءَ الله إِيمانهم مشيئة قهر لا دليل لها ، وزعم الجبانى منهم أَن مشيئة الله حادثة ، ولزمه نسبة الجهل إِلى الله تعالى ، واحتج بأَنه لو كانت قديمة لزم قدم ما دل الحس على حدوثه . حادثة فعل له لا وصف { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } أَنهم لا يؤمنون ولو جاءَت ، وأَما أَقلهم فقد يعتقد لكنه لا يؤمن ولو جاءَت لاستحكام العناد فيه والإِصرار ، والضمير للكفرة ، ويجوز أَن يكون للمؤمنين ، بمعنى أَكثر المؤمنين يجهلون أَن هؤلاء الكفار لا يؤمنون ولو جاءَتهم فرغبوا في مجيئها ، وقليلهم يعلم أَنهم يؤمنون ولو جاءَت فلم يرغبوا في مجيئها .