{ آخذِين } حال من ضمير الاستقرار ، أى نائلين وقابضين { ما أتاهُم ربُّهم } كمن قبض ما وعد له ، ولم يخلف ، وحاصله أنهم اتصلوا بما وعدهم به ، ولم يفتهم أو قائلين لكل ما آتاهم ربهم ، لأنه ليس فيه شىء غير كامل ، وفى هذا الوجه ضعف ، إذ لا يتوهم المؤمن نقصا فيدفع ، والكفار نفوا الثواب والبعث البتة ، فلا يصح على ظاهره ، بل على وجه الكناية عن الكمال فقط ، ولو أعطى المؤمنون الموت ، أو نعما كنعم الدنيا لرضوا أعظم الرضا ، اذ نجوا من النار { إنهم كانُوا قَبْل ذلكَ } أى كانوا في الدنيا ، فالاشارة الى اليوم أو الوقت أو البعث { مُحْسِنين } آتين بأعمال حسان ، فاستحقوا الجنة وما فيها ، والجملة تعليل ، وبين الله D بعض احسانهم بقوله:
{ كانُوا قَليلا مِن الليل ما يهْجَعُون } الى قوله: { والمحروم } وأشار الى باقى أعمالهم بهذه الخصال ، لأن من حاله هذه لا بد أن يكون قد وفى بغيرها أيضا ، ولأن هذه نوافل فلا بد أن يكونوا قد أتوا بالفرائض وما دون تلك النوافل مما هو أخف منها ، وذلك قبل فرض الفرائض كما قيل على ضعف ما آتاهم ربهم من الفرائض أنهم كانوا قبل نزول الفرائض محسنين بالنفل ، والآية في قوم مخصوصين ، أو شدد على الناس أول الاسلام ، ثم نسخ التشديد والا فليس كل المؤمنين قليلا من الليل ما يهجعون ، والجملة مستأنفة لبيان البعض ، والاستئناف لا ينافى البيان ، فلا حاجة الى جعلها بدلا من جملة خبر ان ، ولا الى جعلها تفسيرية نحوية لا محل لها ، وعلى الابدال تكون بدل بعض .
ويجوز أن تكون خبرا ثانيا ، والهجوع النوم مطلقا أو نوم الليل ، أو النوم القليل ، وقليلا مفعول مطلق أى هجوعا قليلا ، ومن بمعنى في متعلق بيهجعون ، أعنى بيهجع من جمل يهجعون ، وكذا مرادى في مثل ذلك ، أو قليلا ظرف زمان ، أى زمانا قليلا متعلق بيهجع ، ومن للتبعيض تعلق بمحذوف نعت لزمانا المقدر ، وما صلة للتأكيد ، أو ما مصدرية ، والمصدر فاعل لقيلا ، وقليلا خبر كان لا ظرف ولا مفعول مطلق ، أو هجوعهم بدل من واو كانوا بدل اشتمال ، وقيلا اعتبر فيه البدل فأفرد ، أو المبدل منه ، وافرد لفظا ، والمعنى جمعكما مر في فعيل بمعنى فاعل ، ومن بمعنى في متعلق بيهجع ، وأجيز أن تكون ما نافية ، أى لا يهجعون أو ان لم تعلم عمل كان ، او على التوسع في الظرف ، فيكون ذلك مدحا لهم بنفل يعم الليل ، ولا اشكال في ذلك ، ولم يطلب ذلك منهم على الوجوب .
وقيل: كان قيام الليل كله واجبا ، ثم نسخ الوجوب بعد شهرين ، وكان أبو ذر يعتمد على العصا يهجعون قليلا من الليل ، ويصلون أكثره ، وعن ابن عباس: المعنى أنه قلت ليلة لا يصلون فيها إلا الفرض وأكثر لياليهم الصلاة أول الليل ، أو وسطه ، أو آخره ، وروى أبو داود: أنهم يصلن بين المغرب والعشاء أى في الليل وقت لا يضجعون فيه ، بل يصلون فيه وقيل: كانوا لا يناموا حتى يصلوا العشاء ، ووقف بعض على قليلا وابتدأ بقوله: { من الليل ما يهجعون } أى مثلهم قليل الوجود ، ولا يهجعون البتة ، وقيل: قل ليل ناموه كله .