{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدِ اللهِ } ما ثبت لهم شرعا أَن يعمروها بالدخول والقعود والمكث فيها على أَى حال وبعبادة الله أَو غيره . والمراد بمساجد الله مساجد الإِسلام ، ما وجد منها في زمان رسول الله A ، كالمسجد الحرام والمسجد النبوى ومسدد قبا ومساجد اليمن ، وما يوجد بعد زمانه A ، أَو المراد المسجد الحرام وجمع تعظيما كقوله تعالى: { وإِذ قالت الملائكة يا مريم } { نادته الملائكة } { رب ارجعون } أَو أَن كل بقعة منه مسجد ، أَى موضع سجود ، أَو لأَنه قبلة المساجد كلها ، وكأَنه كل المساجد ، وعامره كعامر المساجد { شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } بالشرك ، شهادتهم على أَنفسهم بالكفر إِظهارهم الشرك كعبادة الأَصنام ، وتكذيب الرسول ، وقولهم: إِنا كافرون بما جئت ، وقولهم: نعبد اللات والعزى ، وقولهم: لبيك لا شريك لك ، إِلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ، ولا يجوز أَن يأذن المسلمون لمشرك في دخول مسجد من مساجد الإِسلام ، وأَجاز قومنا أَن يأذن لهم مسلم في دخوله لحاجة ، فإِن دخل بلا إِذن أَو بلا حاجة عزر ، ويدل لهم أَنه A شد تمامة بن أَتال إِلى سارية في مسجده وهو كافر ، قلنا: فعل ذلك لضرورة ، وأَنه نهى بعد ذلك وقبله عن دخوله لما أَسر جماعة من رؤساءِ قريش يوم بدر ، ومنهم العباس ، أَقبل عليهم نفر من أَصحاب رسول الله A يعيرونهم بالشرك ، وغلظ على عمه العباس يوبخه بقتال رسول الله A وقطيعة الرحم . فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ، إِننا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ، ونسقى الحجيج ونفك العانى ، فنزل قوله تعالى: « ما كان للمشركين أَن يعمروا مساجد الله شاهدين على أَنفسهم بالكفر » أَى لا يستقيم الجمع بين متنافيين عمارة متعبداته مع الكفر به ، وعبادة غيره والكفر بعبادته ، وكانت لهم أَصنام تحت جدار الكعبة كلما طافوا طوفة سجدوا للأَصنام ، وكانوا يطوفون عراة كراهة أَن يطوفوا في ثياب عصوا الله فيها ، فالآية إِبطال لافتخارهم بما فعلوا من العمارة ونحوها كما افتخر العباس عند التغليظ عليه ، وبيان لأَن ذلك كلا عمارة لاقترانه بما يناقضه ، وبيان لكونهم على أَخبث حال ، إِذ قابلوا أَعز موضع بأَقبح المعاصى { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } بطلت لا ثواب لها لعدم شرطها وهو التوحيد فلا يعتد بفكهم الأَسير ، وإِلباس الكعبة والمحافظة عليها في الأَبواب ، وسقى الحجيج ماء فيه زبيب والطواف ، فبطل افتخارهم بتلك الأَعمال { وَفِى النَّارِ } قدم عن متعلقه وهو خالدون للفاصلة ، وعلى طريق الاهتمام ، ويبعد الحصر على معنى أَن لهم خلودا لا يكون إِلا في النار كأَنه لم يجر للخلود ذكر قبل ، وقوله { هُمْ خَالِدُونَ } معطوف على أُولئك حبطت عطف اسمية على اسمية أَولى من عطفها على فعلية هى حبطت أَعمارهم .