{ وقال فرْعَون } فى جمع جمعه بعد كلام موسى وعجزه عن معارضته { يا أيَّها الملأ ما عَلمتُ لكم من إلهٍ غَيْرى } لو كان لعلمته وما يقوله موسى لا يصح ، وسأفحص فيما يقول من أن له إلها ، فيتبين بطلانه ، أو إن كان فما علمته ، وهذا مقنع لقومه ، أو ما كان في الأزمنة الماضية ، وإن حدث لم أدر به { فأوْقِد الى يا هامان على الطِّين } أو قد النار على قوالب الطِّين لتتحجر ، فتكون آجرًا ، وهذا الإسناد الطلبى عقلى أو سببى ، لأن هامان آمر للجند بالإيقاد لا موقد .
{ فاجْعَل لى } منه { صَرْحًا } بناء صريحا أصل به الى حيث كان إله موسى إن صح { لعلِّى أطَّلعُ } الافتعال للمبالغة لا كالمجرد ، لأن هذا الطلوع ليس كغيره لعلوه { الى إله مُوسَى } يعنى إن كان ، وهو لعنه الله يتوهم أنه إن كان فهو جسم حال في السموات ، وهو ليس جسما ولا عرضا ، وهو سبحانه وتعالى أخبرنا عن نفسه أنه ليس كمثله شىء . وأنه لا تحويه سماء ولا أرض ، فكل ما جاء بعد مخالفا بظاهره ، لهذا سهل تأويله ، وأذعنت الى تأويله قلوبنا إذعان نفس العطشان في الصيف الى ما جد من ماء بارد ، ولا نجهل { وإنِّى لأظنُّه من الكاذبين } فى دعواه ، فبنى له ، وطلع وحده أو مع من يكتم الأمر ، فرجع فقال لهم أجد له ربا ، وهذا لا يتم له ، لأنه قد بلغ من يبنيه ذلك المبلغ ، فلم يختص فرعون بذلك الموضع ، وهو وغيره عاجزون عن الانتقال عنه الى فوق ، وروى أنه ضرب منه بنبال ، فرجعت بدم من طير ، فزعم أنه قتل من هناك من إله موسى وغيره .
قال ابن جريج وقتادة: أول من صنع الآجر وبنى به فرعون ، ورآى رضى الله عنه قصور الشام فقال: ما علمت أحدًا بنى بالآجر غير فرعون ، بل أول من اتخذه ولو بلا بناء فرعون ، إذ قال لهامان أوقد لى ، ولم يقل اصنع ، لأنه هو الذى علمهم صنعه ، ولعل عمر وقتادة وابن جريج أرادوا هذا ، ويروى أنه جمع هامان لبنائه خمسين ألف بناء سوى الأتباع ، ومن يصنع الآجر ، والنجارين والحدادين ، ووصل في العلو ما يصله أحد ، وكانوا يصعدون فيه بالبراذنن فأمر الله تعالى جبريل أن يقطعه عند الغروب ، فقطعه ثلاث قطع ، قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف ، وقطعة في البحر ، وقطعة في المغرب .