{ وصَدَّها ما كانَتْ تَعبد منْ دُون اللهِ } ما مصدرية ، والمصدر فاعل صد ، أى صدها عن الاسلام قبل ، او عن إظهاره الى هذا الحال كونها تعبد غير الله سبحانه ، أو نكرة موصوفة أو اسم موصول واقعة على الشمس فاعل صد ، أى صدها عن الاسلام قبل ذلك شىء تعبده من دون الله ، وهو الشمس ، أو الشىء الذى تعبده من دون الله ، أو الشمس التى تعبدها ، والرابط في ذلك كله مقدر كما رأيت ، واسناد الصد الى ما كانت تعبده مجاز عقلى لعلاقة السببية ، وحقيقته وصدها الله بما كانت تعبده ، واسناده الى العبادة على وجه المصدرية حقيقة على العرف { إنَّها كانَتْ مِنْ قومٍ كافرينَ } لما أسلمت لم تظهر الاسلام قبل هذا الحال ، لرسوخ كفرهم ، وكأنه قيل: ماذا قيل لها بعد ذلك الامتحان؟ فأجيب بقوله:
{ قيل } أى قال غير سليمان أو سليمان { لها ادْخُلى الصَّرْح } أو ذلك خبر ثان لكانت ، ولهذا ربط بالضمير من لها ، وأما ما قيل من أنه جىء ب { لها } هنا دون قيل أحكذا المكان أمرها ، فلا يتم ، لأن أهكذا أيضا خطاب لها يستدعى جوابا ، كأنه قيل أجيبى ، والصرح القصر العاصى من معنى التصريح ، وهو الاظهار ، وزعم بعض انه هنا البركة ، وبعض انه صحن الدار أو ساحتها ، ويناسبه قوله: { إنه ممرَّد } روى أنه أمر الجن فبنوا لها الصرح من زجاج أبيض ، وأجروا من تحته الماء ، ودواب الماء ، أو بنوا طبقات من الزجاج الذى هو كالماء بين كل كبقتين ماء وحيونه ، وهذه المبالغة تنافى انها أرادت أن تخوضه ، إلا أن تقاربت الطبقات ، ووضع سريره في صدر المجلس ، وجلس عليه ، وعكفت عليه الطير والجن والانس ، وذلك امتحان لها في الايمان .
وقيل: ليتبين كذب من قال: إن رجْلها رِجْل حمار إذا كشفت عن ساقيها تخوض اللجة ، ولكن بان أنهما شعر أو ان جاز لخاطب امرأة أن ينظر الى وجهه ، وظهر قيدميها ، قيل وشعرها ، وساقيها .
{ فلمَّا رأته } أى الصرح أى أسفل الصرح { حَسِبتْه لجةً } ماء عميقا قدر ما تخوض فيه { وكَشَفت عَنْ ساقَيْها } أذيالها لئلا تبتل { قال } سليمان ، وقيل: قال القائل ادخلى ويرده أنه لو كان ذلك لقال قيل كما قيل أولا { إنَّه } أى ما ترين من البناء كله أعلاه وأسفله { صَرحٌ مُمرَّدٌ } أو أنه بعض صرح ممرد ، أى مجرد عما يرد نفود البصر { مِنْ قَواريرَ } قطعات زجاج ، أو قطعات مجوفة منه نعت ثان ، أو خبر ثانٍ { قالت ربِّ إنِّى ظلمْت نَفْسى } بعبادة غيرك ، وكفرى بسليمان ، ومن أشرك فقد كفر بالأنبياء علم بهم أو لم يعلم ، قبل علمه وبعده ، ولا دلل يعلم به انها أرادت أنى ظلمت نفسى بظنى أن سليمان أراد اغراقى ، أو بامتحانيه حتى امتحننى ، { وأسْلَمت معَ سليمان لله } مقتضى الظاهر لك وإسقاط مع سليمان ولكن اتت اسم الجلالة تعظيمًا لربها سبحانه بالألوهية والتفرد باستحقاق العبادة ، والملك لكل موجود كما قال: { ربِّ العَالمين } لما جددت الاسلام بحضرته تزوجها وأصدقها بعلبك ، وأقرها على ملكها ، وأمر الجن فبنوا لها سلحين وغمدان وبيسنون ، ويزورها في الشهر مرة ، ويقيم عندها ثلاثة أيام ، وولدت له أبنا .