{ هُم الَّذين كَفَروا } مستأنف للذم { وصدُّوركم عَن المسْجد الحرام } أن تصلوا اليه وتطوفوا به { والهَدىَ } عطف على الكاف ، أى وصدوا الهَدى ، وهو ما يهدى الى البيت ليخر في منى ، وهو هنا سبعون بدنة على المشهور ، وقيل مائة { معْكُوفًا } حال من الهَدى أى محبوسا للنحر ، وعكف متعد كما رأيت في الآية ، يقال: عكفت الرجل حبسته ، كما قال ابن سيدة والأزهرى ، ومنعه الفارسى ، وعليه فالأصل معكوفا به ، فكان الحذف والايصال .
{ أنْ يبلغ مَحِلَّه } فى تأويل مصدر بدل اشتمال من الهدى ، أو بتقدير عن متعلقة بمعكوفا ، وعاكف الهدى المشركون ، أو تعليل متعلق بمعكوفا أى معكوفا ليبلغ محله وعاكفه المسلمون ، ويترجح هذا ، أو تقدير عن ، ووجه كونه حالا بمعنى أن المشركين عكفوه أنه حال مقدرة في قول من أجاز تقديرها من غير فاعل ناصبها ، لأنه حال القرب جدا اقترانا ، ومحل الهدى منى ، أو موضع سقوطه على الأرض بالذكاة ، وهو منى أيضا ، وقال الشافعى: محله اذا منع هو الموضع الذى وصله ، وقال أبو حنيفة: محله الحرم وبعض الحديبية حرم عنده ، ومحط رسول الله A لحل من الحديبية ، ومصلاه الحرم ، ونحر هديه في الحرم فهديه A بلغ محله ، والظاهر أنه معكوف عن محله المعهود وهو منى ، والصحيح وعليه الجمهور أنه لا شىء من الحديبية من الحرم ، وكلها حل ، والحرم محدود بحدود معروفة .
{ ولَولا رجالٌ مؤمنُون ونساءٌ مؤمناتٌ } مستورون في المشركين قال أبو جمعة جندب سبع: هم سبعة رجال وأنا منهم وأمرأتان ، رواه أوب نعيم ، ففيه اطلاق نساء على امرأتين ، وهو جائز كما يطلق الجمع على اثنين مجازا على الصحيح ، وقيل حقيقة { لم تعْلمُوهم } ثم علموهم بالوحى ، والجملة نعت رجال ونساء ، وغلب ضمير الذكور { أنْ تَطئُوهُم } تمشوا عليهم بأرجلكم ، وهو استعارة للاهلاك كقوله A: « اللهم اشد وطأتك على مضر فانهم آذوا رسولك وكفروا بدينك » أى اهلاكك ، والمصدر بدل اشتمال من رجال ونساء ، على حذف مضاف ، أى كراهة أن تطئوهم ، وجوب لولا يقدر بعد قوله: { بغير علم } هكذا لمَّا كف أيديكم عنهم ، أو لعجل ما يستحقون .
{ فتُصيبُكم منْهُم } من جهتك بوطئتكم اياهم ، أو يقدر مضاف أى فتصيبكم من وطئتهم { معرَّةٌ } عيب أو مكروه ومشقة ، وأصله قيل: العر والعرة وهو الجرب الشديد اللازم ، والمراد قيل تغيير الكفار للمؤمنين بأنهم يقتلون أهل دينهم ، أو لمعرة التأسف عليهم وقيل: الاثم تقتلهم ، وقيل: الدية ، وهما تفسيران بالمعنى لا بالغة ، وأيضًا نقول: لا اثم في قتل مسلم مستور بين أهل الحرب أسلم من قبل ، أو أسلم في الحرب ، أو على القاتل الدية أو العاقلة أو في بيت المال ، أو لا دية أيضا كما لا اثم ، وقال الطبرى: المعرة الكفارة وهو قول ، وهو كسائر قتل الخطأ ، وقيل: لا كفارة وبالكفار ، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ، وقال صاحبهما محمد: على قاتله الدية ، وقال الشافعى ، عليه القصاص ، وهو خطأ كيف يكون القصاص على قتل الخطأ ، وفسر بعضهم المعرة تفسير معنى بالدية والكفارة ، وقول المشركين: ان المؤمنين يقتلون أهل دينهم ، ولا اثم ان جرى بعض تقصير .