فهرس الكتاب

الصفحة 3793 من 6093

{ وما يَسْتَوى البَحران } تمثيل للتفاوت بين المؤمن والكافر ، وأل لحقيقة البحر العذب والبحر الملح ، لتعدد كل منهما ، والبحر الماء المغرق ولو كان يجرى ، وكذا الإشارتان للحقيقة في قوله: { هَذا } الخ { عَذبٌ } طيب { فُراتٌ } شديد العذوبة ، كأسود حالك ، وأصفر ناقع ، وأبيض يقق ، وقيل: كاسر للعطش ومزيله ، ولعله تفسير باللازم ، فمن شأن شديد العذوبة ازالة العطش ازالة شديدة { سائغ شرابُه } سهل النحدراه لموافقته للطبع ، وخلوه من مكدر { وهَذا مِلْحٌ } مُغاير للطبع المغايرة المعروفة كملح الطعام اذا كثر في طعام أو شراب ، ويقال أيضا على القلة مالح ، وليس لغة رديئة كما قيل ، وقيل: الملح ما ملح بالخلقة ، والمالح ما ملح بمخالطة شىء { أجاجٌ } شديد الملوحة كأنه يحرق بملوحته ، والمؤمن كالبحر العذب ، والكفار كالبحر الملح ، واستأنف كلاما خارجا عن التمثيل بقوله:

{ ومِن كُل تأكُلون لحمًا طريًا وتَسْتخرجُون تلْبسُونها } كما خرج عن التمثيل قوله تعالى: { وتَرى الفُلْك فيه مَواخِر } وذلك حليةً تلبسونها خارج عن التمثيل ، فانه لا حلية من البحر العذب ، فقوله: { وتستخرجون حلية تلبسونها } عائد الى الملح ، أى وتستخرجون من الملح حلية ، أو ذلك مجموع ، وكل لا كلية كما في قوله تعالى: { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } ويدل لذلك افراد الضمير في فيه ، فان أمر الفلك في الملح أعظم منه في العذب والمتبادر ، رد الهاء الى الملح ، وقد يقال: الفائدة من الكافر أخذ ماله وذريته ، أو الجزية .

ولا يكفى جوابا ما قيل: ان بعض الصخر التى في مجرى السيل تكسر ، ويخرج منها حجر الماس ، وهو حلية ، اذ لا ندرى أصح ذك أم لا ، بل هو حجر متقوم كحجوزة وأصغر لا أكبر ، يكسر جميع الأجساد الحجرية ، وإمساكه في الفم يكسر الأسنان ، ولا تعمل فيه النار والحديد ، وانما يكسره الرصاص ويستحقه ، ويثقب به الدر وغيره ، واذ ليس ذلك من البحر المتبادر ، ولا ما قيل: إنه يستخرج منه سمك يؤخذ من عظامه مقابض السيوف والخناجر ، اذ لا تدرى صحته ، واذ ليس ذلك زينة تلبس ، ولا ما قيل: لعل في العذب لؤلؤ لا نراه ، اذ لا نعمل تمثل هذا الترجى مع وجود مسلك غيره فحاصل الكلام تشبيههما بالبحر العذب والملح ، وتفضيل المؤمن بمزيد الفائدة كلؤلؤ الملح ومرجانه ، وبأنه لم يتغير عن طبعه وخلقته ، كما تغير الكافر عنها ، واللحم الطرى السمك ، وختار له اسم اللحم لأنه لا يحتاج الى الزكاة ، ولا غسل دم ، ولا عزل شىء منه بالتحريم ، كما أنه حلال ولو بصورة انسان ، ولو يحيا في البر أيضا ولو بصورة خنزير .

وذلك أولى مما قيل: اختار له اسم اللحم الطرى لانحصار منفعته في الأكل اذ فيه أدوية ، وفى عظامه حلية وغير ذلك ، ومما قيل: إنه سماه بذلك لسرعة فساده ان لم يعجل بأكله ، لأنه يصلح للبقاء بالتشريح كما يشاهد ، ومن خلف لا يأكل اللحم حنث به ، واختلف فيه على عرف لا يسمى فيه لحما ، والصحيح ، عدم الحنث في ذلك العرف ، ولو حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث ، مع قوله D:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت