فهرس الكتاب

الصفحة 1497 من 6093

{ فَرَحَ المُحَلَّفُونَ } الاثنا عشر الذين خلفوا أَنفسهم أَو خلفهم الله أَو خلفهم الشيطان عن النبى A وعن الغزو ، أَو خلفهم الكسل أَو النفاق أَو النبى A إِذ طلبوا التخلف فأَذن لهم فيه { بِمَقْعَدِهِمْ } بقعودهم عن غزوة تبوك { خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ } أَى خلفه ، يقال خلف كذا وخلافه بمعنى ، وهو متعلق بمقعد أَو مصدر بمعنى الوصف أَى مخالفين لرسول الله A ، أَو يقدر ذوى خلاف له وهو حال ، ويجوز أَن يكون مفعولا مطلقًا لمقعد وهو مصدر ، فإِن التخلف عنه قعود عنه ، كقمت وقوفًا أَو مفعولًا من أَجله أَى لأَجل خلاف رسول الله A ، والناصب فرح { وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللهِ } لميل الطبع إِلى الراحة والقعود مع الأَهل والولد والحياة ، إِذ لم يعالجوا أَنفسهم إلى ما فعل المؤْمنون من دخول المشقة ومفارقة الأَهل والمال والولد وبذل أَموالهم وأَزواجهم لرضى الله D ، ففى الآية تلويح بمدح المؤمنين بأَنهم رضوا ذلك ولم يكرهوا . { وَقَالُوا } للمسلمين على وج ادعاء النصح أَو لضعفاءِ المسلمين أو قال بعض لبعض . { لاَ تَنْفِرُوا } إِلى الجهاد { فِى الحَرِّ } كانت غزوة تبوك في زماة شدة الحر مع القحط وبعد المسافة وخوفهم من شدة قتال الروم { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا } من حر السفر إِلى تبوك ، وكان الواجب أَن يقوا أَنفسهم به عن حر جهنم ، ولكن اختاروا حر جهنم عنه بالمعنى للمخالفة { لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } أَى لو كانوا يعلمون بجهنم وأَشدية حرها لم يختاروا عدم الخروج . { فَلْيَضْحَكُوا } الفاءُ لسببية ما سبق للإِخبار بالضحك والبكاءِ لا لنفسهما { قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا } أَى زمنًا قليلا وزمنا كثيرًا أَو ضحكًا قليلا وبكاءً كثيرًا ، والضحك في الدنيا والبكاءُ في الآخرة ، ويروى أَن المنافقين يكونون في النار قدر عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم . وقيل: كلاهما في الدنيا كحديث: « لو تعلمون ما أَعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرًا » ، ولا يخفى أَن الدنيا وما فيها بالنسبة للآخرة ولو مع غاية الكثرة والمنقطع الفانى ، مثل العدم بالنسبة للدائم ، وإِن شئْت فالضحك أَيضًا في الآخرة ، وعليه فالقلة العدم كما يطلق الكثرة على الكل فلا ضحك لهم في الآخرة ، ويجوز كون الضحك والبكاءِ كناية عن الفرح والحزن لا حقيقتهما ، ولام الأَمر للتأْكيد ، والمراد الإِخبار بأَنهم ضحكوا في الدنيا قليلا ويبكون في الآخرة كثيرًا ، فإِن الأَمر لا يتحمل الكذب كما لا يتحمل الصدق ، ألا ترى إلى قوله تعالى: كن فيكون ، بصيغة الأَمر ، وأَمر المطاع لا يتخلف ، والأَمر للوجوب فناسب التعبير به فكأَنه قيل لا بد من ضحكهم قليلا وبكائِهم كثيرًا ، فتارة ذلك وتارة يستعمل الخبر بمعنى الأَمر لتحقق الوقوع كأَنه وقع فأَخبر عنه ، والمراد بكثرة ما في الأَمر ما لا نهاية له .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت