{ قَالُوا أُوذِينَا } بالاستعمال في الأَعمال الشاقة { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِينَا } طفلا أَو من قبل أن تَأْتينا بالرسالة { وَمِنْ بَعْدِمَا جِئتَنَا } طفلا أَو بالرسالة ، لما قرب ولادته شرع في قتل أَبنائهم مع الاستعمال ، ولما جاءَ بالرسالة زاد شدة في استعمالهم ، وأَعاد القتل فيهم ، واستعملوا النهار كله بعد أَن كان يستعملهم إِلى نصف النهار ، وقيل: أَرادوا بالإِيذاء الإيعاد بالشر ، ولما كان الامتهان بنحو الاستخدام لأَجل شأن موسى ، ناسب ذكرهم ذلك لموسى عليه السلام ، والمجئ والإِتيان بمعنى واحد ، فذكرهما تفنين وترك للتكرار ، كما تفنن بأَن المصدرية أَولا وبما المصدرية ثانيًا ، ولم يعد لفظ أَن ، وكل من المجئ والإِتيان يكون في سهولة وصعوبة ، وفى المعانى والأَزمان والجواهر والأَعيان { قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } فرعون وقومه { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأَرْضِ } هذا القول من موسى تصريح بما أبهم في قوله { استعينوا بالله واصبروا } ، وكان بلفظ عسى لأَنه يقول على ما يرجو من الله ، والله جل وعلا يقول { عسى } وما أَمره إِلا جزم ، أَو لأَنه لا يدرى أَهم المستخلفون أَم ذريتهم أَم غيرهم وغير ذريتهم ، ولو جزم بإِهلاك الأَعداء فقيل أَقام بنو إِسرائيل في أَرض مصر بملكهم ، وهو ظاهر الآية ، لأَنه قال: يستخلفكم ، والأصل والحقيقة استخلافهم بأَنفسهم لا بأَولادهم ، وقيل: خرجوا إِلى الشام مع موسى عليه السلام ، ونقلوا معهم يوسف ميتا ، وهو المشهور ، وتركوا مصر لنساء قوم فرعون وضعفائهم وأَطفالهم ، وروى أَن مصر فتحت لهم في زمان داود عليه السلام ، وهذا ضعيف ورجحه بعض ، وقال إِنهم لم يرجعوا إِليها في حياة موسى { فَيَنْظُرَ كيْفَ تَعْمَلُونَ } فيها أَتشكرون أَم تكفرون؟ فتجازون على ذلك . ومعنى ينظر يعلم ، والمراد بالعلم الجزاء ، والجزاء مترتب ولذلك كانت الفاء ، وإِلا فعلم الله قديم ، نعم هو عالم بعملهم إِذ عملوه كما علمه قبل وقوعه ، ولا حدوث علم في ذلك ، وشرع في تفصيل مبادئ إِهلاكهم بقوله:
{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } قومه معه قبل الغرق { بِالسِّنِينَ } أَعوام القحط وقلة المال كما قال A: « اللهم اجعلها سنينًا كسنين يوسف ، أَو سنين كسنى يوسف » { وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ } لقلة الماء ولما يفسدها كريح وشدة برد وشدة حرارة ، ونزول برد - بفتح الراء - وعن ابن عباس: القحط لأَهل البادية ونقص الثمرات في أَمصارهم . قال كعب الأَحبار: يأتى الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إِلا ثمرات { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } حالهم ، كحال من يعصى فيعاقب رجاء للانزجار ، ففيه استعارة تمثيلية ، أَو لعل للتعليل أَى ليذكروا أَن ذلك لكفرهم ومعاصيهم ، فينزجروا إِلا أَن لعل يثبت المحققون مجيئها للتعليل .