{ وأنَزل الذين ظاهروهم } اعانوا الاحزاب { مِن أهْل الكتاب } المراد بنو قريظة عند الجمهور وهو الصحيح ، وقيل: بنو النضير { مِنْ صَياصِيهِم } حصونهم استعار لها الصياصى الموضوع لكل ما يمتنع به ، كالقرون للثور والظبى ، وشوكة الديك في رجله لجامع الامتناع { وقَذَف } ألقى { في قُلُوبهم الرُّعْب } الخوف الشديد حتى اسلموا انفسهم بلا امتناع ولا مخالفة للقتل ، واموالهم للسلب ، واهلهم واولادهم للاسر كما قال: { فريقًا تقْتُلون } وهم الرجال { وتأسرون فريقًا } النساء والصبيان ، وانزالهم من الصياصى عبارة عن اذلالهم على طريق الاستعارة التبعية ، وقذف الرعب سبب له ، واخره لان السرور بانزالهم اكثر ، فالاخبار به اهم للمؤمنين ، كما ان القتل للرجال اهم ، فقدم على عامله وعلى الاسر ، ولانهم مساق التفصيل ، وقدم الاسر على فريقا ، لانه اهم ، ولو قدم فريقا لتوهم قبل ذكر تأسرون انه يقال في القراءة بعد ذلك تهزمون وللفاصلة ، وليتصل القتل والاسر بلا فضل .
روى ان جبريل عليه السلام ، جاء صبح يوم الانهزام او ظهره ، رسول الله A عند زينب ، وقد غسلت نصف رأسه معتجرًا بعمامة استبرق ، على بغلة فوقها قطيفة ديباج ، وقال: هل وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم ، فقال: عفا الله عنك ، ما وضعت الملائكة وما رجعت الى الآن من طلب القوم ، وان الله يأمرك بالمسير الى قريظة ، وإنى ازلزل حصونهم ، فأذن لا تصلوا العصر الا في قريظة ، واستخلف ابن ام مكتوب على المدينة ، واعطى عليا الراية ، وأسرع الناس اليه: ولما دنا من الحصن سمع فحشًا عليه A فرجع اليه فقال: يا رسول الله ما عليك ان تدنوا من هؤلاء الاخابث ، فقال: لعلك سمعت اذى؟ قال: نعم يا رسول الله ، قال لو رأونى لم يقولوا ، فدنا فقال: يا إخوان القردة هل اخزاكم الله وانتقم منكم؟ قالوا: يا ابا القاسم ما كنت فاحشا ويروى ما كنت جهولا .
وقد مر بنفر من أصحابه فقال: هل مر بكم احد؟ قالوا: يا رسول الله دحية الكلبى على بغلة بيضاء ، عليها قطيفة ديباج ، فقال: ذلك جبريل يزلزل بقريظة ويرعبهم ، ونزل على بئر يقال لها: انا ، بناحية اموالهم ، ولحقه رجال بعد العشاء ، ولم يصلوا العصر لقوله: صلوا العصر في قريظة ، وقد اشتغلوا جهدهم بأمر السير للحرب ، فصلوها ولم يعاتبهم ، وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ، وقيل احدى وعشرين ، وقيل خمسة عشر ، واشتد خوفهم وفيهم حى بن أخطب ، وفاء لعهده لكعب بن أسد ، وأيقنوا ان لا ينصرف رسول الله A ، فقال كعب: تابعوا الرجل: فوالله لقد تبين لكم انه نبى مرسل في كتابكم لتأمنوا ، فقالوا: لا نفارق التوراة ، فقال: اقتلوا أبناءكم ونساءكم فنخرج اليه غير خائفين عليهم أن متنا ، وان ظفرنا اتخذنا نساء واولادًا ، فقالوا لا خير في العيش بعد هؤلاء ، فقاتلوه الليلة غافلا فلا يظن انا لا نقاتل ليلة السبت ، فقالوا: لا نحدث في السبت فيصيبنا ما اصاب من احدث فيه ، فقال: لا حزم فيكم ضيعتم الحزم .