{ ولقد جاء آل فرعون النُّذر } حقيقة الإنذار وجنسه أو الانذارت ، أو المنذرون الذين هم موسى وهارون ومن أعانهما من المؤمنين أوالأنبياء السابقون قبلهما ، لأن الدعوة واحدة ، ويدل لهذا قوله تعالى:
{ كذَّبوا بآياتنا كُلِّها } آيات الأشياء كلها ، وهذا لابقاء العموم على ظاهره أولى من أن يقال: المراد آيات موسى التسع ، ووجه التعبير بالتسع أنهن المعهودة على عهد فرعون ، ودخل فرعون في الكلام بالأولى ، لأنه رأس قومه في الكفر ، وامامهم فيه ، وكأنه قيل: ما فعل آل فرعون إذ جاءهم النذر؟ فقال: كذبوا ولما أشعر قوله تعالى: { ولقد جاء آل فرعون النذر } بالعقاب على نسق ما مر في السورة من ذكر هذه العبارة في العذاب ، صار محلا ، لأن يقال: فماذا وقع بهم؟ فأجاب بقوله:
{ فأخَذْناهم أخذ عَزيزٍ مُقْتَدر } بعد ذكره موجبه الذى هو تكذيبهم بالآيات كلها ، وواو كذبوا وهاء اخذناهم لآل فرعون ، لقرب ذكرهم ، وليجرى على نسق ما قبله من ذكر كل قوم بما لاق بهم ، وزعم بعضهم أن الضميرين لهؤلاء الأقربين ، وهم آل فرعونه ، ولمن ذكر قبل مع بعد ، وأن الكلام تم في قوله: { النذر } وهو خلاف الظاهر ، وانما تم في قوله: { أخذ عزيز مقتدر } والفاء تفريع وتسبب ، والعزيز المقتدر الله تعالى ، فالنصب على المفعولية المطلقة المجردة عن التشبيه ، إذ ليس المراد تشبيه أخذه بأخذ أحد عزيز مقتدر ، بل أراد للتعظيم بالعزة والاقتدار ، وهو افتعال من القدرة للمبالغة ، وهنا تم الكلام على الأمم فصرف الكلام على كفار هذه الأمة فقال:
{ أكفَّاركُم } معشر العرب ، أو يا أهل مكة ، ويلتحق بهم غيرهم ، والخطاب إما للمؤمنين أو مع غيرهم ، فيشكل عليه أنه يلزم أن يكون الاستفهام الانكارى في الآية متوجها الى المؤمنين ، مع أنه لا عتاب عليهم ، وأيضا لا يناسبه قوله تعالى: { أم لكم براءة في الزبر } فانه لا يدعى المؤمنون أن لهم براءة في الزبر ، ويجاب بأن اللفظ خطاب عليهم لأجل كفارهم ، واللمراد به اسماع كفارهم ، ويقدر مضاف أى أم لكفاركم براءة في الزبر ، واما للكفار بأن يخاطب كل كافر ينافى الكفار أو جرد منهم لشدة كفرهم كفارًا آخرين ، ولم يقل أنتُم للنص على كفرهم .
{ خيرٌ } بالمال والعدد والعدة وقوة الأبدان وطول عمر { مِن أولئكُم } من قوم نوح ، وعاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وآل فرعون ، لابل أو أولئكم خير وقد أصابهم الهلاك بفكرهم ، فكيف لا تخافون أن يصيبكم بكفركم ، وقيل يجوز أكفاركم خير من أولئكم بلين الشكيمة في الكفر ، وفيه نظر ، لأنا لا نسلم أن كفَّار العرب أو أهل مكة أشد كفرا ، بل الأمم السابقة أشد كفرا { أمْ لَكُم بَراءةٌ } بل ألكم براءة ، أى لكفاركم براءة من العقاب على كفركم { في الزُّبير } الكتب السماوية ، واختار بعض أن هذا الخطاب للكفار بالذات ، والأول للمؤمنين أو مع غيرهم ، وفيه تلوين الخطاب ، وهو خلاف الظاهر .