{ وَإذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ } أى ما عهد إليهم في التوراة { الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } أى العلماء { لَتُبَيِّنَنَّهُ } أى الكتاب ، أى أحكام الكتاب وأخباره ، وهو التوراة والإنجيل ، فالهاء للكتاب في قوله أوتوا الكتاب ، لا للنبى A ، لأن رد الضمير إلى مذكور بلا تكلف ولا ضعف أولى ، ولأن التبيين والكتم والنبذ وراء الظهر ، واشتراء الثمن أنسب بالكتاب ، ولو قبلت التأويل مع الرد إليه A { لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تأكيد لما قبله ، ذلك حكاية للخطاب الواقع في وقت أخذ الميثاق ، وفى أخذ الميثاق معنى القول ، فالمعنى ، قال لهم لتبيننه للناس ولا تكتمونه ، كقوله تعالى: « وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله ، وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، ويجوز أن التبيين لألفاظ الكتاب بأن تقرأ وتشهر ، وفيها الدلالة على رسالة نبينا محمد A والكتمان لمعانيه بأن لا تفسر لجاهلها ، أو تحوف بالتأويل ، أو بزيادة تفسدها أو التبيين للمعنى والكتم للألفاظ { فَنَبَذُوهُ } أى الميثاق والكتاب { وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ } شبه ترك العمل بالميثاق أوالكتاب بإلقاء الشىء وراء الظهر احتقارا له ، والواجب عليهم جعلهم نصب عيونهم { وَاشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } استبدلوا به الثمن القليل استبدال بائع ما باعه بثمن قليل ، تركوه وأخذوا بدله مالا حقيرًا ، وجاهًا حقيرًا ، فكلاهما ثمن قليل ، والتنكير للتحقير ، فإنه ولو عظم لكنه حقير قليل بالنسبة إلى ما تركوه من الدين ، ومن ثواب الآخرة إذ كتموهما لما يأخذونه من السفلة برياسة العلم ، ويلتحق بهم من كتم أحكام القرآن ، أو فسره بما ليس معنى له اتباعا لهواه من هذه الأمة ، بل هو أولى بالذم فهو من مفهوم الأولى ، لأن القرآن أفضل الكتب قال A » من كتم علمًا عن أهله ألجم الله بلجام من نار « ، وعن على: ما أخذ الله على الجاهل أن يتعلم حتى أخذ على العالم أن يعلم ، قال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل اكتاب ما حدثتكم ، وقرأ ابوية ، وقال الحسن: لولا الميثاق الذى أخذ الله تعالى على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه ، وكان قتادة يقول: طوبى لعالم ناطق ولمستمع واع ، هذا علم علما فنشره ، وهذا سمع خيرًا فعل به ، قال الحسن بن عمارة قلت للزهرى ، حدثنى بعد أن ترك الحديث ، فقال: ألم تعلم أنى تركت الحديث؟ فقلت إما أن تحدثنى أو أحدثك؛ فقال حدثنى ، فقلت: حدثنى ابن عيينة عن نجم الخراز ، سمعت على بن أبى طالب يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا ، فحجثنى الزهرى أربعين حديثا { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } بئس الثمن الذى يشترونه إذ أوردهم النار أو بئس شراؤهم ، والمخصوص محذوف أى هذا .