{ فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْه } تكبروا عن ترك ما نهوا عنه ، من الصيد وسائر الفسق { قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ } وهم نحو اثنى عشر أَلفا ، أَو نحو سبعين أَلفا ، أَخذ رجل سمكة يوم السبت وربطها إِلى وتد على الساحل في الماءِ وأَخذها يوم الأَحد فلما لم يروا العذاب شرعوا في أَخذه يوم السبت وبيعه وأَكله فصار أَهل القرية ثلاثا: معتدين ، وناهين ، مستمرين أَو غير مستمرين ، وغير ناهين ولا مكتفين بنهى الناهى ، بل هانت عليهم المعصية ، ويجوز أَن يكون العذاب البئيس هو هذا المسخ ، والفاء خرجت عن أَصلها إِلى بيان المجمل ، ومعنى القول توجيه الإِرادة الأَزلية إِلى تصييرهم قردة ، ولا كلام في ذلك ، والأَمر بالكون تهوين إِذ لا قدرة لهم على مسخ أَنفسهم ، ولو كان لهم قدرة على ذلك لم يفعلوا ، فليس ثَمَّ أَمر ولا مأمور ولا تكليف بكون ولا لفظ حقيقة ، شبه تأثير قدرته تعالى في مسخهم بلا توقف ولا امتناع ولا عمل ولا آلة بقول المطاع لمطيعه: افعل كذا ، فيفعله ، بلا توقف ، ففى الآية استعارة تمثيلية ، وخاسئين أَذلاء مهانين ، والمسخ قردة على حقيقته ، لا كما قيل: مسخت قلوبهم حتى لا يفهموا حقا كالقردة ، قدر عليهم الناهون لقلتهم ، بالنسبة للناهين ، ولالقاءِ الذل عليهم من الله D ، أَو لعذاب شديد أَصابهم فضعفوا فعزلوهم لمخالفتهم جانبا ، وجعلوا إِليهم بابا ، وقيل: بابا للناهين وبابا للعاصين ، وأَصبحوا يوما ولم يخرج إِليهم أَحد . فدخلوا عليهم ، أَو علوا الجدار عليهم ، وإِذ هم قردة لا يعرفونهم والقردة تعرفهم وتدول حول أَقاربها وأَصحابها باكية ، وتشم ثيابهم فيقولون: أَلم ننهكم؟ فتقول برأسها: بلى ، وماتوا عن ثلاثة أَيام ، قال الحسن: قلما رأَيت أَحدا أَكثر الاهتمام بالمعصية إِلا فعلها ، وتقدم تحقيق كلام فيمن نجا مختصرا آنفا . وعن ابن عباس: ما أَدرى ما فعل بالفرقة الساكتة ، ويكى ، فقال عكرمة: جعلنى الله فداءَك لم تهلك ، قد أَنكروا وكرهوا ، وقالوا: { لم تعظون } إِلخ . وروى أَنه قال أَيضا عكرمة: إِن لم يقل الله D { أَنجيناهم } فإِنه لم يقل: أَهلكتهم ، ورجع إِلى قوله ، وكساه بردين ، رواه الحاكم ، وهو قول الحسن ، وروى أَنه رجع إِليه بعد ما جزم بهلاكها ، وقال ابن زيد: هلكت ، وهذه أَشد آية في ترك النهى عن المنكر ، وأَنت خبير أِن النهى على الكفاية ، فإِذا سكت الساكت لقيام غيره بالنهى لا لرضى أَو إِعانة ، وقد أَنكر بقلبه فلا بأس ، ويبعد أَن يكون النهى فرض عين عند هؤلاءِ .