{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ } كلهم ، وقيل: ملائكة الأرض ، وقيل: الملائكة غير المهمين { اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا } كلهم { إِلاَّ إِبْلِيسَ } السجود لآدم خضوع له وتعظيم ، أو كسجود الصلاة لله تعالى ، لكن لى جهة آدم وهو قبلة لهم ، وفيه تعظيم له أيضا ، واستثناء إبليس متصل ، لأنه قيل إما ملك خلق من نار ، ثم نسخ إلى صورته الجِنِّيَّة ، وعَقَب ، ولو نسخ بخلاف سائر ما نسخ فإنه لا يعقب ، بل يخلق الله D مثله ، وهذا القول ضعيف ، وإما لأنه ولو لم يكن منهم إلا أنه نشأ فيهم ، وكساه كسوتهم كأنه واحد منهم ، وهو أول الجن وأبوهم ، وقيل: كان الجن قبله وولد منهم ، عصوا الله بعد العبادة ، فأمر الله الملائكة فقاتلوهم وطردوهم إلى البحور والشعاب ، وقيل: أهلكهم الله تعالى كلهم وبقى بعدهم ينسل كأولاد نوح ، وسبوه صغيرًا إلى السماء فتعبّد فيهم ، وكان رئيسهم لاجتهاده في العبادة أكثر منهم ، وما ترك موضع شبر في السموات والأرض إلا سجد فيه .
والواضح أن الاستثناء منقطع ، وكررت قصة أمره بالسجود لآدم في مواضع بحسب ما يناسب كل موضع ، فهنا ذكر ليشير غلى أن صاحب الجنتين متبع لإبليس في تكبُّره وكفره ورغبته في الدنيا ، وأن صاحبه المؤمن مبتع لآدم والملائكة في طاعة الله ، والاتضاع والزهد ، وهكذا سائر ما يكرر في القرآن ، وفى تكرير قصة السجود تذكير لنا بعدونا القديم لئلا نغفل ، والملائكة كلهم معصومون ، وزعم بعض أن ملائكة الأرض غير معصومين ، وأن إبليس منهم .
{ كَانَ مِنَ الجِنِّ } حال بإضمار قد ، أو استئناف لبيان أنه ليس من الملائكة ، وأنه لو كان منهم لم يعص ، لأنهم معصومون ، وقيل: الجن نوع من الملائكة يمكن منهم العصيان ، وهو قول باطل ، وزعم بعض أن الجن في الآية ملائكة يصوغون الحلى لأهل الجنة .
{ فَفَسَقَ } بسبب كونه من الجن ، لأن العطف على كان إلخ وقيل: الفاء تعليل لقوله إلا إبليس ، وعندى يجوز كون الفاء سببية ولو بلا عطف وإباؤه من السجود يعتبر سببًا لاتصافه باسم الفسق ، أو هو سبب لسراير فسقه بعد .
{ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } خرج عنه لأنه غير ملَك كما يمضى الأدمى ، وكما يعصى الجن ، بل يعصى جلهم ، وأمر بالسجود في جملة الملائكة فلم يسجد ، وأمر الملائكة ونهيهم أمر له ، ونهى له ، إذ كان مغمورًا فيهم ، وعن للمجاوزة على أصلها ، لأن المعنى مائل عن أمر ربه ، ومعرض عنه ، ولا حاجة إلى جعلها سببية ، وإلى أن الأمر بمعنى المشيئة ، لأن المشيئة لله لا تتخلف ، وكذا إرادته ، والتحقيق أنه تخلف عما أمر به ، وعصى أمر ربه بمعنى ما أمر به من السجود .
نعم يجوز على خلاف الأصل أنها سببية ، وأن مشيئته التى فسرنا بها أمر ربه مشيئته التى بمعنى الفضاء ، وهى التى ذكرت أنها لا تتخلف ، أى فسق بسبب قضاء الله D عليها بالخذلان .