{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ } أَهل مكة أَو الناس كلهم ، وهذا استمالة لهم إِلى الحق وطريق صحة النبوءَة بعد ذكر طرق الدلالة على الوحدانية { قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءُ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } هذه الأَربعة كلها شىءٌ واحد وهو القرآن ، ونكرت للتعظيم . نزلت لتغايرها وصفًا منزلة تغاير الذوات فساغ العطف كما شهر أَن العطف يقتضى التغاير غالبًا ، جاءَكم من الله القرآن الجامع للوعظ والشفاءِ والهدى والرحمة ، والموعظة مصدر ميمى بمعنى الوعظ وهو إِرشاد المكلف ببيان ما ينفعه من محاسن الأَعمال وما يضره من القبائح ، وذكر الثواب والعقاب والترغيب في المحاسن والزجر عن القبائح ، ومن للابتداءِ ولا حاجة إِلى التبعيض على تقدير من مواعظ ربكم ، والشفاء إِزالة ما يشبه المرض في الضرر والإِهلاك من سوءِ الاعتقاد والشكوك ، ويلتحق بذلك ذنوب الجوارح واللسان والهدى والإِرشاد عن الضلال إِلى اليقين وهو الحق ، والرحمة إِنعام الله على المؤمنين بإِنزال القرآن الذى ينجون به من النار ويفوزون بالجنة ، وكذا للكفار ولكن أَعرضوا عنه فلم ينالوا ، والهدى هنا بيان لا هدى إِيصال كما قيل ، لأَن هدى الإِيصال لله لا للقرآن ، ولا شك أَن لقراءَة القرآن عمومًا بركة يذهب به أَمراض البدن عمومًا بإِذن الله تعالى على طريق الدعاء والتبرك ، أَو بلا قصد الشفاءِ به ، وجاءَ رجل إِلى رسول الله A يشكو صدره فقال A: « اقرأْ القرآن » ، يقول الله تعالى شفاءٌ لما في الصدور ، وليس على ظاهره من اَن معنى المعاصى بل قياس منه A للمرض الحسى على المرض المعقول من الذنب ، وذلك كما أَنه يقرأُ A المعوذتين ويمسح على بدنه لوجع ، وكذا شكا إِليه رجل وجع الحلق فقال: « عليك بقراءَة القرآن » ، بل قد يكون المرض المعنوى سببًا للحسى ، فيقرأُ القرآن ليزول المعنوى الذى هو سبب الحسى ، وجاءَ أَحاديث في أَن الذنوب تجر المصائِب والأَمراض ، ويقال: لله دَر الحسد ما أَعدله ، بدأَ بصاحبه فقتله .