{ أَمْ حَسِبْتُمْ } بل حسبتم ، أَو أَحسبتم أَو بل أَحسبتم ، والأَولى هنا كونه بمعنى: أَحسبتم بهمزة الإِنكار والتوبيخ فقط دون بل ، لأَن المحل ليس للإِضراب ، لا كما قيل أَنها بمعنى بل والهمزة ، والخطاب للمؤمنين إِذ كره بعضهم القتال ، وقيل: للمنافقين ، وقيل: للمؤمنين والمنافقين ، وعلى كل حال هو ترغيب في الجهاد لأَنه يأْمرهم كما يأمر المؤمنين . قيل: ما بعد هذا لا يناسبهم وإِنما يناسب المؤمنين ، وإِنما كره بعض المؤمنين القتال كراهة طبع ، والمنافقون بالطبع والتكذيب ، والمؤمنون الكارهون يعالجون حب القتال دون المنافقين ، ثم ظهر أَنه لا مانع من كون أَمْ للإِضراب والإِنكار ، لأَن قوله: أَلا تقاتلون إِلخ ، قد يتضمن أَنهم كسلوا عن القتال فيكون هذا توبيخًا ثانيا أَضرب إِليه عن الأَول من قوله: أَلا تقاتلون ، علق الأَول بفعل الكفار ما فعلوا من النكث وما بعده ، والثانى بوجوب الإِخلاص { أَنْ تُتْرَكُوا } عن الأَمر بالقتال الذى سميتموه ، وعن الإِخلاص . والواو في قوله { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ } واو الحال ، وصاحب الحال هو واو تتركوا والربط بواو الحال وكاف منكم والواو في قوله { وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } حالية من واو جاهدوا ، أَو عاطفة على جاهدوا أَى ولما يعلم الله الذين جمعوا بين الجهاد والإِخلاص عن اتخاذ البطانة من المشركين ، ومعنى لما يعلم إِلخ أَنه لم يكن جهاد وإِخلاص فضلا عن أَن يقال: إِن الله عالم بالمجاهدين المخلصين ، فإِن وصف الله بعلم ما لم يقع أَنه واقع كفر لأَنه جهالة مركبة ، فاللفظ نفى العلم والمراد نفى المعلوم وذلك نفى للملزوم وهو المعلوم بنفى اللازم وهو العلم ، فإِنه إِذا انتفى شئ لزم أَن الله غير عالم به لأَنه غير موجود ، لأَنه لا يصح أَن يقال ، علم الله شيئًا أَنه موجود وهو غير موجود ، فإِنه يلزم من قولك: لم يعلم الله كذا أَنه لم يقع كذا ، وفى الوجه الأَول نفى المعلوم ببرهان وهو انتفاء علمه به ، وإِيراد الشئ ببرهانه أَبلغ من إِيراده بلا برهان . فإِنه لو وجد القتال والإِخلاص لتعلق علمه به قطعا لأَن علمه تعالى يتعلق بالشئِ قبل وجوده وفى حال وجوده وبعد عدمه ، وقيل: العلم عبارة عن التبيين المسبب به ، فإِن العلم سبب لتبيينه وملزوم له لزوما بيانيا ، وكفر من قال: لا يعلم الله شيئا حتى يقع ، ومسوغ العطف على جاهدوا اجتماع انتفاء اتخاذ الوليجة مع ثبوت الجهاد في سبيل الله في الخيال ، ومن للتبعيض ، فإِن متخذى الوليجة بعض لا كل والخطاب في حسبتم للمجموع ، وفى الآية تلويح بأَنه سيظهر الخلص من غيرهم ، كأَنه قيل: لما يظهر المخلصون ، والغالب أَن ما نفته لما سبقع أَو يترجح وقوعه ، والوليجة من تفشى إِليه سرك ، من الولوج وهو الدخول ، فهو من يداخلك في أَمورك ، وقيل: من ليس أَهلا لذلك ، وأَدخل { واللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من جهاد بلا إِخلاص ، ومن جهاد مجاهد بإِخلاص ، والخطاب للكل ، ويجوز أَن يكون في هذا ، وفى أحسبتم لغير المخلصين ، فيكون من في قوله منكم للبيان ، وذكر الثلاثة بحرف النفى تلويحا بأَن كلا مستقل بالتحريم ، وتلويحا بزيادة قبح من اتخذ وليجة بأَنه قد اتخذها عن الله والرسول والمؤمنين ، فنهى الله أَن تتخذ عن واحد كما اتخذها هؤلاءِ عن الثلاثة ، وتلويحا بأَن من اتخذها عن المؤمنين فقد اتخذها عن الرسول ، ومن اتخذها عن الرسول فقد اتخذها عنهم ، ومن اتخذها عن الرسول فقد اتخذها عن الله ، ولا يخفى عنه شئ .