{ وإذْ تقُولُ } اذكر اذ تقول { للَّذى أنْعَم الله عَليه } بالاسلام زيد بن حارثة { وأنْعَمت عليْه } بالاعتاق وحسن التربية ، والتبنى والتعليم ، رضى الله عنه ، وذكره بهذه الاوصاف لبيان منافاة حاله ، لإظهاره A خلاف ما اضمر ، لكن على وجه جائز ، وذلك انه إنعامه على زيد لا يستحى من تزوج زوجه زينب ، ولا سيما وقد كرها زيد بعد تزوجه بها للسانها ، او كرها ليتمتع بها رسول الله A ، والناس في غيظ منه ، اذ تزوج زوج متبناه .
{ أمْسِك عَليْك زَوْجَك } عداه بعلى لتضمن معنى احبس ، اى احبس على نفسك ، وهذا مما عمل فيه عامل في ضميرين لمسمى واحد ، وهو جائز في كل فعل ، لان احدهما بحرف جر وهو كثير في القرآن لكون احدهما بحرف جر ، وغلط من قال بخلاف ذلك ، وتأول زوجه زينب بنت جحش تستعلى عليه بنسبها ، وتضره بلسانها ، فقال: يا رسول الله اشتد علىَّ لسان زينب ، واستعلائها علىّ بشرفها ، وأردت طلاقها ، فقال A: « امسك عليك زوجك » { واتق الله } فى حقها ، واصبر لها { وتُخْفى في نفْسِك ما الله مُبديه } مظهره ، والعطف على تقول ، والذى يخفيه والله يبديه ، انه اوحى الله تعالى اليه ان زيدًا سيطلقها وتتزوجها .
وقال قتادة: انه A يخفى ارادة طلاقها ، وقيل: ارادة نكاحها ، وقيل: اخفى نكاحها لو طلقها زيد ، وحبه مجرد خطور بباله A ، وليس ذلك رغبة في زهرة الدنيا ، بل من الامر الذى طبع عليه البشر ، ولا سيما ان ذلك بعد العلم بان زيدا يريد فراقها ، وقيل: أتى A بيتها فرآها تسحق طيبًا بفهر ، فقال: « سبحان الله خالق النور تبارك الله احسن الخالقين » وقيل: اتى زيدا لحاجة ، فأبصر زينب في درع وخمار ، وكانت بيضاء جميلة ، ذات خلق من أتم نساء قريش ، فاعجبته ، فقال: « سبحان الله مقلب القلوب » وسمعته فأخبرت زيدا حين جاء ، ولا بأس بنظر الفجأة ، وقيل: جاء الى زيد فلم يجده في بيته ، فعرضت عليه الدخول فلم يدخل ، وسمعته يقول: « سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب » فأخبرته بما قال A ، فجاءة فقال: هلا دخلت يا رسول الله ، لعلها اعجبتك فأطلقها لتتزوجها ، فقال « أمسك » وقال لها: أطلقك ليتزوجك؟ فقالت اخشى ان تطلقنى ولا يتزوجنى ، وانكر العلماء القولين جدًا ولا ارى فيها بأسا ، لان ذلك بامر الله تعالى ولان الانصار يطلقون بعض نسائهم ليتزوجهن المهاجرون ، ويجوز الان مثل ما فعلوا ، وانما المحرم ان يطلب الرجل ذات زوج فترضى .
{ وتَخْشى النَّاس } مطلقا المنافقين وغيرهم لأكل فرد خاف ان يقولوا تزوج امرأة ابنه ، او يقولوا امره بطلاقها ليزوجها ، عاتبه الله على قوله: { أمسك } الخ مع علمه بقوله تعالى: ستكون من ازواجك ، فكان الاولى ان يسكت ، او يقول له: نعم ان شئت فطلقها ، وكان الواجب المبادرة عند بعض ، والامر كذلك على الوجه الجائز ، ولا سيما ان لم يبادر بعد طلاقها وعدتها ، ففيه عتاب ، اذ اراد الله ان يتزوجها لينسخ تحريم زوج المتبنى بناء على انه قد كان تزوجها حراما ، وقيل: لم يكن حراما ، والعطف على تقول { والله } وحده { أحقٌ أن تخشاه } حال من ضمير تخشى ، قال عمرو بن مسعود ، وعائشة: لو كان رسول الله A يكتم شيئًا من الوحى لكتم هذه الآية ، وكانت النساء لا يحتجبن ، ولم يزل A يراها لا رؤية تشه .