فهرس الكتاب

الصفحة 1146 من 6093

{ ادْعُوا رَبَّكُمْ } اسأَلوه مصالحكم الدينية والدنيوية والأخروية ، وهو مخ العبادة ، وما من شئ أكرم على الله من الدعاءِ ، ورد ذلك في الحديث لأَن فيه تذللا واعترافا بعجزه وعجز غيره ، وبقدرة الله D على الإيصال إِلى الخير ، وبعلمه بحوائج العباد ودعائهم { تَضَرُّعًا } تذللا أَو استكانة أَو تملقا ، وقيل معناه جَهْرًا { وَخفْيَةً } أَى سرًّا ، والمعنى متضرعين وخافين أَى ذوى خفاء في الدعاءِ أَو ذوى تضرع وخفية . قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا . وكان المسلمون يجتهدون في الدعاءِ ولا يسمع لهم صوت فما كان إِلا همسا بينهم وبين ربهم ، والإِخفاء أَنسب بالإِخلاص ودليل عليه ، وقد قال الله D { إِذ نادى ربه نداء خفيا } ويجوز الجهر ليتعلم جاهل ، وللتأمين وإِزالة وحشة أَو نوم وإِدخال سرور وقهر مبتدع ، ولترغيب السامع ولكل عارض من الخير ، ويجتنب الرئاء والسمعة . وقال لقوم يجهرون: أَيها الناس ، اربعوا على أَنفسكم إِنكم لا تدعون أَصم ولا غائبا ، إِنكم تدعون سميعا بصيرا . وهو معكم ، وهو أَقرب إِلى أَحدكم من عنق راحلته . رواه أَبو سعيد ، وتستثنى التلبية فإِنه يجهر بها جدا { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } فى الدعاءِ بالتوسع فيه بغير احتياط عما يكره أَو لا يجوز ، وعن الرغبة في الدنيا وكونها أَكبر همه ، وطلبه مالا يليق كالصعود إلى السماءِ ، ورتبة الأَنبياءِ والصيام فيه ، قال A: « سيكون قوم يعتدون في الدعاء وحسب المرء أَن يقول: اللهم إِنى أَسأَلك الجنة وما قرب إِليها من قول وعمل » ، ثم قرأَ: إِنه لا يحب المعتدين ، ويحرم الدعاء بالنبوة إِجماعًا ، والصحيح تحريم ما خص بالأَنبياء لأَن الدعاءَ به اعتداء ، والله لا يحب المعتدين ، وستر الأَيدى بدعة محرمة مخالفة للسنة . وذلك من الاعتداء في الدعاء إِذ جعل غير الشرع شرعًا إِلا إِن كان إِنسان في جملة ناس لا يدعون معه فله إِخفاء يديه في الدعاء بحيث لا يعرفون أَنه يدعو ، ومن الاعتداء في الدعاء الدعاء على الفاسق أَن يموت مشركًا حتى قيل إِن الداعى بذلك مشرك ، والصحيح كفره كفر نعمة ، وأَما أَن يدعو على فاسق بالموت على غير توبة فأَجازه بعض أَصحابنا . والمختار المنع كأَنه غير منصوص عليه فلا يحال بينه وبين التوبة { وَلاَ تُفْسِدُوا في الأَرْضِ } بالإِشراك والمعاصى وأَخلاق السوء والجهل { بَعْدَ إِصْلاَحِهَا } بالتوحيد والطاعة ومكارم الأَخلاق بواسطة الأَنبياء والكتب والعقول والأَحكام الشرعية { وَادْعُوهُ } اعبدوه { خَوْفًا } من طرده { وَطَمَعًا } فى تقريبه ، أَى خائفين وطامعين أَو ذوى خوف وضع ، أَو لخوف من النار لقصورهم في الأَعمال والطمع في الجنة لفرط رحمته وفضله ، والعبادة لهذا صحيحة عندنا إِلا أَنها ناقصة على العبادة إِجلالا ، وزعم قوم من الأَشاعرة أَنها لا تصح ، لأَنه ما أَتى بها تعبدا لمولاه وقضاء لحق ألوهيته ، وقيل الدعاء في الموضعين العبادة ، وقيل: السؤال وكتمان النفل من العبادة أَفضل إِلا ما خص كصلاة الضحى والتلبية ، وإِذا صفا القلب على الرئاء وقصد الاقتداء فإِظهار النفل أَفضل ، وأَما الفرض فإِظهاره أَفضل ، وقال بعض قومنا: إِخفاء العبادة أَفضل ولو فرضا ، وبعض: إِظهارها أَفضل ولو نفلا ليقتدى به بأَن يظهرها ويجهد نفسه في مجانبة الرئاء { إِنَّ رَحْمَة اللهِ قَرِيب مِنَ المُحْسِنِينَ } ترجيح للطمع ، ولا سيما عند الاحتضار ، وتنبيه على ما يتوسل به إِلى الإجابة والقبول وهو الإِحسان لم تذكر الرحمة لإِضافتها إِلى غير مؤنث لأنها ذكرت ولا إِضافة إِليه في قوله تعالى: إِن الساعة قريب ، وأَيضًا هذا مختص بالشعر وأُجيز العكس بل ذكر لتأويله بالرحم بضم الراء كما في قوله تعالى وأَقرب رحمًا أَى رحمة ، ولزم عليه جواز تذكير الموعظة بمعنى الوعظ ، والذكرى بمعنى التذكير ، وقال سعيد بن جبير: لأَنها بمعنى الثواب ، ومثله: قيل ذكر لأَنه بمعنى اللطف والإحسان ، واعترض بأَن مثل هذا مختص بالشعر أَو لأَنه نعت لمذكر أَى أَمر قريب ، واعترض بأَن مثل هذا مختص بالشعر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت