فهرس الكتاب

الصفحة 1115 من 6093

{ قَالَ } كرر القول ، قيل لبعد اتصال الحياة في الأَرض والموت فيها والإِخراج منها بالأَمر بالإِهباط وبعداوة بعض لبعض ، والاستقرار في الأَرض والتمتع فيها ، ويبحث بأَنه لا بعد في ذلك بل مناسبة لأَن ذلك كله في الأَرض والإِهباط إِليها والإِخراج منها ، بل كرر لإظهار الاعتناء بما بعده وهو قوله { فِيهَا } للحصر { تَحْيَوْنَ وَفِيهَا } قدم للحصر { تَمُوتُونَ } ودخل البحر في الأَرض لأَن المراد بها ما قابل السماءَ مطلقًا { وَمِنْهَا } قدم للحصر والفاصلة { تُخْرُجُونَ } للجزاء ، وكذا في قوله:

{ يَا بَنِى آدمَ } ناداهم ليذكرهم بعض النعم جلبًا لامتثال ما هو المقصود بقوله لا يفتننكم { قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } خلقناه ، وسمى الخلق إِنزالا لأَنه بأَسباب وتدبيرات سماوية كنزول المطر للقطن والكتان وغيرهما ، ولمعيشة الحيوانات ذوات الصوف وغيره وبقضاء في اللوح المحفوظ كقوله تعالى { وأَنزل لكم من الأَنعام } { وأَنزلنا الحديد } يستر { سَوْءاتِكُمْ } أَى التى قصد إِبليس كشفها من أَبيكم آدم ، وحتى اضطر إِلى إِلزاق الأوراق فاذكروا نعمة الله عليكم في إِغنائه إِياكم عن خصف الأوراق ، وفى عدم نزع اللباس عنكم كما نزع عنه ، فهذه الآية متصلة بقوله بدت لهما سوءاتهما إلخ . . وروى مسلم عن ابن عباس أَن العرب كانوا يطوفون عراة لأنهم عصوا الله في ثيابهم فنزلت الآية { وَرِيشًا } لباسا فاخرًا تتجملون به فهو أَخص من اللباس ، أَو مالا وخصبا وحسن الحال ، أَو جمالا في أَبدانكم ، وأَصل الريش في الجمال وفى المال ، وشهر في ريش الطائر وهو زينة له كاللباس للآدمى فلا حاجة إِلى دعوى أَن لمرد المال أَو الجمال استعارة من ريش الطائر ، ولا إِلى دعوى أَنه مصدر من قولك راشه ريشًا أَى جعل فيه مالا أَو زينة { وَلِبَاس التَّقْوَى } بالنصب عطف على لباسا من إِضافة المشبه به للمشبه . أَى وتقوى كاللباس فإِنها تقى من العذاب والخسة كما يقى الثوب من الحر والبرد ولكشف العورة ، وهى على العموم ، أَو خشية الله D أَو الحياء أَو الإِيمان أَوا لسمت الحسن ، أَو لباس الحرب كالدرع والمغفر ، فالتقوى على هذا اتقاء ضرر العدو ، وإِضافته إِضافة الآلة للعمل ، ويقال إِضافة السبب ، وكذا إِن فسرنا لباس بما يستر العورة ، وأضيف للتقوى ردًا عليهم إِذ زعموا أَن التعرى في الطواف تقوى ، أَو هو اللباس الخشن للتواضع أَو اللباس المزين لحضور مواضع العبادة تعظيمًا لها أَو تمتعًا بلا رياء ولا سمعة . لأَن للزينة غرضًا صحيحًا كما قال الله جل جلاله: { وزينة ولكم فيها جمال } والأَول أَولى لأَن المتبدر أَن المقام مدح للتقوى نفسها لا لسببها { ذَلِكَ خَيْرٌ } من لباس الستر ولباس الزينة ومن كل لباس ، والإِشارة إِلى لباس التقوى أَو إِنزال اللباس وهو أَولى لأَنه أَظهر في أِنه آية كما قال { ذَلِكَ } أَى إِنزال اللباس كله { مِنْ آياتِ اللهِ } الدالة على فضله ورحمته ، كما يدل له المقام ، أَو من دلائل قدرته { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } يقبلون إِلى تدبر ما أَعرضوا عنه فيؤمنون بوحدانيته ويعرفون نعمته ، ويتورعون عن القبائح . والمقام للخطاب إِشارة إِلى أنهم كمن يوأس منه فيترك خطابه ، وإِلى أَنه يكفى في خطابهم ما مر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت