فهرس الكتاب

الصفحة 992 من 6093

{ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ما جعلوا الله قدرا يليق به ، أَى وصفا ، لكن لا يمكن الوصول إِلى غاية ذلك ، وهذا أَولى من أَن يقال: المراد قدره في الرحمة لعباده وفى السخط على الكفار وشدة البطش حين جسروا على قول السوءِ ، فإِنه لا يناسب قوله { إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَئٍ } فإِن هذا يناسب أَن يراد بالقدر العظمة ومنها التوحيد المنافى لإِنكار الإِنزال على بشر ، ومن معانى القدر العظمة ، أَى ما عظموه حتى عظمته ، ويقال: ما عروفا الله حق معرفته ، والأَصل: وما قدروا الله قدره الحق ، فأُضيفت الصفة للموصوف ، ولا يلزم هذا ، بل المتبادر أَن المراد شأن قدره ، أَو رتبة قدره ، متعلق بقدروا أَو بقدره . وقيل: حرف تعليل ، قلت: هى ظرفية والتعليل مستفاد من مدخولها ، والواو لليهود فخاص بن عازوراءَ ومالك بن الصيف ومن رضى بقولهما ، وهم نفر يسافرون لكة عنادًا ، أَو أُريد واحد عظم في السوء كعظم جماعة في الشر ، خاصم النبى A ، فقال A: أَنشدك الله الذى أَنزل التوراة هل تجد فيها أَن الله يبغض الحبر السمين- وكان مالك كذلك- فقال: نعم . -وكان يحب إِخفاء ذلك لكن أَقر لإِقسام النبى A - فقال النبى A: « أَنت حبر سمين ، سمنت من أَكلتك التى تطعمك اليهود » ، فضحك القوم ، وخجل مالك بن الصيف ، أَى فيكون مبغوضًا ، فغضب ، والتفت إِلى عمر رضى الله عنه ، وقال: ما أَنزل الله على بشر منشئ ، فقال أَصحابه: ويحك ، ولا على موسى؟ فقال: والله ما أَنزل الله على بشر من شئ . فلما سمعت اليهود بذلك وقالوا: أَليس الله أَنزل التوراة على موسى فلم قلت هذا؟ قال: أَغضبنى محمد فقلته . فقالوا: وأَنت إِذا غضبت تقول على الله غير الحق ، فعزلوه من الحبرية وجعلوا مكانه كعب بن الأَشرف لعنهما الله ، وفى ذلك نزل: « وما قدروا الله حق قدره » وأَنت خبير بأَن القائلين سافروا إِلى مكة ، فلا يعترض بأَن السورة مكية ، وأَن القصة مدنية ، وأَيضًا نزلت السورة مرتين فيما قيل ، والآية على ظاهرها من نفى الأَنبياء كلهم وكتبهم كلها لثوران الغضب ، والمراد بالذات نفى النبى A والقرآن ، ولكن جمله الغضب على نفى كل نبى وكل كتاب مبالغة في نفى النبى A والقرآن ، ليكون كنفى بحجة ، وأَنت خبير أَن الله D أَنزل الآية مجازاة على لفظة لسانه المجاهر بالسوء ولو كان في قلبه ثبوت التوراة كما صرح به عن نفسه ، وفى ذلك أَن الغضبان المتعمد مؤاخذ بما قال أَو بما فعل ، كالسكران بمحرم عمدًا ، وقال بعض على طريق الشكل الثالث: موسى بشر ، موسى أنزل عليه كتاب ، وهاتان قضيتان شخصيتان في حكم الكليتين ، والأُولى من قوة الآية ، والثانية من صريحها ، ينتج أَن بعض البشر أنزل عليه كتاب ، وهذه النتيجة موجبة جزئية تكذب السالبة الكلية اليهودية ، وهى لا شئَ من البشر أنزل عليه كتاب ، وأَجاب الله بأَن إِنزال القرآن من الجائز كما أَنزل التوراة على موسى ، فقال { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثيرًا } منها وهو ما صعب عليهم ، وصفة رسول الله A ، ومن إِخفائه ما صعب عليهم إِخفاء آية الرجم ، وآية: إِن الله يبغض الحبر السمين { وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ } وهذا نص في أَن الآية في اليهود لا كما قيل في مشركى قريش ، فإِن مشركى قريش لم يقرأُوا التوراة ، ولم يجعلوا قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا ، ولا علموا ما لم يعلموا ولا آباؤهم إِلا أَن لهم بعض إِذعان لتوراة موسى ، وشهرت عندهم ، وكانوا يخالطونهم ويسأَلونهم عما في التوراة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت