{ ومن الشَّياطين } عطف على مع ( من ) عطف على الجبال بحد ما مر أو ذلك مبتدأ وخبر ، والأول أولى لزيادة انسحاب التسخير فيه { مَنْ يغوصون له } يدخلون تحت ماء البحر لأجله ، يستخرجون منه النفائس ، والواو بمعنى من ، والجملة نعت لمن لا صلة لها ، إذ لها عهد للغوص لنا قبل نزول الآية ، وإن كان فذهنى وهو خلاف الأصل ، ويروى أنه رأى بحرا عميقا جدا فأمر الشياطين بالغوص فيه ، فاخرجوا منخ قبة بيضاء ، فقال: يا رب أريد أن أعلم ما فيها ففتحها الله تعالى له ، فإذا فيها رجل جميل بلباس جيمل ، فقال له: أبشر أنت أم جنى؟ قال: بشر ، قال: ما حالك؟ قال: كنت أطيع أمى وأحملها على ظهرى وبين يدى ، ودعت لى أن يجعل الله تعالى موضعًا أعبد فيه ليس سماء ولا أرضا ، وماتت وأتيت ساحل البحر ، ورأيت هذه القبة ، وأعجبتنى فدخلتها ، فانتقلت بى ولا أدرى أفى البحر أنا أم في البر أم في السماء ، فقال: بم تعرف الليل والنهار؟ قال: تضاء عند الفجر ويزال الضوء عند الغروب ، قال: ما تأكل وما تشرب؟ قال: طعام وشراب كلاهما أشد بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل ، قال: ادع الله أن يردنى حيث كنت فغلقت عليه ، فعاد .
{ ويعلمونَ عَملًا } كثيرًا { دُون ذلكَ } كبناء القصور ، والمدن ، وابتداع الصنائع الغريبة كالحمام والنورة والطاحون والقوارير ، كما قال الله D: { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل } الآية ، وقيل الصابون من ذلك ، واختير أنه من صناعة هرمس وأندوخيا ، وقيل من بقراط وجالينوس ، وقيل أول من صنعه الفارابى في دمشق ، والجن أجسام لطيفة عاقلة نارية ، ومع لطفها تعمل الأعمال الشاقة ، كالريح تقلع وتهدم مع لطفها ، والشياطين الذين يستخدمهم كفار فحل استخدامهم قهرًا كالجزية ، والمتبادر من لفظ الشيطان الكفر ، ويناسب ذلك قوله تعالى: { وكُنَّا لهم حافظين } بتوكيل جماعات من الملائكة ، ومن مؤمنى الجن عليهم عن أن يخبلوا الناس ، أو يقتلوهم ، وعن أن يفسدوا ليلا ما عملوه بالنهار ، وعن أن يزيغوا عن أمره ، استعمل الله له ما لطيف وهو الريح والشياطين ، ولداود الأشياء الكثيفة الغليظة ، وليس كما قال الجبائى: إن الله D كثف أجسام الجن لسليمان لتعمل الأمور الشاقة ، ولما مات ردها الى لطفها لئلا يلبس بهم على الناس من يتنبأ .