{ يا أيُّها الَّذين آمنُوا أطيعُوا الله وأطيعُوا الرسُول } أى دوموا على الطاعة ، أو زيدوا فيها أو لا تكتفوا بكلمة الشهادة ، أو اجمعوا الطاعة مع ترك ما يحبطهما كما قيل: { ولا تُبْطلُوا أعْمالكم } كالصدقات بالكبائر ، ومنها الاصرار على المعاصى كما قال الحسن ، ولا بالمن بالاسلام ، كما قيل نزلت في بنى اسد ، أسلموا وقالوا لرسول الله A منًّا عليه: قد آثرناك وجئناك بنفوسنا وأهلنا ، والمعتبر عموم اللفظ ، وان تاب المذنب رجع اليه عمله الحسن ، وأثيب عليه ، ومثل ذلك قوله تعالى: { يمنون عليك أن أسلموا } فالأعمال الحسنة تبطل بالرياء والسمعة والشك ، والعجب اذا عمل به ، مثل أن يتكبر أو يأمن المكر ، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب قال الله D: { لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى } والحاصل لا تبطلوا طاعاتكم بمعاصيكم فتعاقبون بها ، ولا تثابون على طاعاتكم .
قال قتادة في معنى الآية: من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا بعمل سوء فليفعل ، ولا يبطل العمل بالافطار من النفل موافقة للأخ في الله تعالى أعلمه بأنى صائم أو لم يعلمه ، روى أبو سعيد الخدرى: أن رجلا أضاف رسول الله A مع أصحابه رضى الله عنهم ، وكان فيهم رجل صائم فقال له رسول الله A: « أجب أخاك وأفطر واقض يوما مكانه » وذلك ندب ، وعنه A: « اذا دعى أحدكم الى طعام فليجب فان كان مفطرا فليأكل ، وان كان صائما فليصل له » أى يدع بالبركة ، ولعله يندب اذا كان للمضيف اعتناء بافطاره ، والا فالبقاء على الصوم والدعاء له أفضل .
ووضع الطعام بعد أن دعى عمر وهو صائم فمد يده وقال: خذوا باسم الله ، ثم قبض يده وقال: انى صائم ، فالافطار جائز والاخبار بالصوم ليس رياء ان لم يقصد الرياء ، وأخرج عبد بن حميد ، ومحمد ابن نصر المروزى في كتاب الصلاة ، وابن أبى حاتم عن أبى العالية: كان أصحاب رسول الله A يرون أنه لا يضر ذنب مع لا إله إلا الله ، كما لا ينفع عمل مع الشرك حتى نزلت « أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم » فخافوا أن يبطل الذنب العمل ، وشددوا وخافوا أن لا يغفر ذنب بعد التوبة ، فنزل قوله تعالى: { قل يا عبادى الذين أسرفوا } الخ ولفظ عبد بن حميد: فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم .
والآية دليل لنا ، وللمعتزلة أن الكبيرة الواحدة ، أو الصغيرة المصر عليها تحبط الأعمال ، ولو كانت بعد نجوم السماء ، ومعنى قوله تعالى: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره } معناه ما لم يحبها بالاصرار ، وقوله تعالى: { ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } معناه ما لم يمحها بالتوبة ، واعادة أطيعوا مع الرسول للتأكيد .