فهرس الكتاب

الصفحة 4136 من 6093

{ خَلَق السَّمواتِ والأرضَ بالحقِّ } لا خالق سواه ، ولا يعجزه شىء ، كما هو الواحد القهار ، فهو واحد فعلا ، كما هو واحد ذاتا { يُكور الليل على النَّهار ويُكوِّر النَّهار على الليل } يغرب الشمس كل يوم قبل اغرابها بالأمس ، ففى كل يغطى الليل على بعض النهار ، فيطول الليل ، ثم يطلع الفجر كل يوم قبل اطلاعه بالأمس ، فيطول النهار ، وذلك كتغطية بعض العمامة ببعض ، كذا ظهر لى ، ثم رأيته لابن عباس إذ قال: يجعل أجزاء النهار ليلا فيطول الليل ، وبالعكس فيطول النهار ، وفى معنى ذلك تأخير اطلاع الفجر فيطول الليل ، وبالعكس فيطول النهار ، وذلك كقوله تعالى: { يولج الليل في النهار } الخ وما نقص من الليل زاد في النهار ، وما نقص من النهار زاد في الليل ، ومنتهى النقصان تسع ساعات ، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة .

والليل والنهار عسكران عظيمان ، يكر أحدهما على الآخر كروا متتابعا شبيها بتتابع أكوار العمامة ، وكل يغيب الآخر اذا طرأ وبالعكس بزوال الظلمة كقوله تعالى: { والليل إذا يغْشَى * والنَّهار إذا تجلى } وقيل: يأتى بكل واحد عقب الآخر كقوله تعالى: { يجعل الليل والنَهار خلفة لمن أراد أن يذكر } وقوله تعالى: { يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا } وفى التفسير الأول مراعاة لىّ العمامة بعض على بعض كما مر ، وهو أولى ، يقال كار العمامة يكورها ، كقال يقول ، والتشديد في الآية للمبالغة ، وفى الآية استعارة تمثيلية بتشبيه أشياء بأشياء أولى من جعلها مفردة في يكور على حدة تبعية ، وفى النهار على حدة أصلية ، وفى الليل كذلك .

{ وسخَّر الشمْس والقَمَر } بجريان كما أراد في نفس الطلوع والغروب ، وفى حركتهما حتى لا يميلان عن مجراها ، وان أريد أن كلا يجرى لمنتهى دورته ، كان قوله تعالى: { كلُّ يجْرى لأجلٍ مُسمى } تفسيرا للتسخير ، أى لا يقصر عن دورته ، ولا يزيد عليها ، وقبح الله من يقل: الشمس ساكنة لا تجرى ، مع أن الله D يقول: « كل يجرى » ولا أحد يكوِّر الليل والنهار ، أو يسخر الشمس والقمر ويقهرهنَّ إلا الله D ، فلا إله إلا الله الواحد فعلا ، كما هو الواحد ذاتا ، المنتزه عن الولادة { ألاّ هُو العزِيزُ } الغالب على العصاة المصرِّين { الغفَّار } للتائبين لقوله تعالى: { إلا من تاب } وقوله A: « هلك المصرون » أو العفو عن المصرِّين بأن لم يعاجلهم بالعقاب ، فعليه سمى عدم التعجيل بالعقاب مغفرة على الاستعارة الأصلية ، واشتق لفظ غفار على التبعية ، والجامع ترك العقاب ، ولو كان العقاب في المشبه متوقعا ، أو سمى عدو تعجيل العقاب مغفرة على المجاز المرسل الأصلى والتبعى ، لعلاقة الاطلاق والتقييد ، لأن الترك في المغفرة مطلق ، وفى التأخير مقيد بأن العقاب سيكون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت