فهرس الكتاب

الصفحة 3888 من 6093

{ اليَوم نَخْتِم عَاى أفْواهِهم } نغطيها ونشد عليها ، كما يربط فم القربة ، وفيهم قدرة على الكلام ، ولا يجدونه لذلك الشد ، وذلك حقيقة أو كناية عن إخراصهم ، أو استعير الختم للإخراص استعارة أصلية ، واشتق منه مختم على طريق التبعية ، وفى ذلك إعراض عن خطابهم ، لقبح أعمالهم الى التكلم لغيرهم { وتكلِّمنا أيْديهِم وتَشْهد أرجُلُهم بما كانُوا يكسبُون } تنازع تكلم وتشهد ، وأعمل الثانى وحذف للأول المضمر الفضلة ، أى وتكلمنا أيديهم به ، أى بما كانوا إلخ ، ولو أعمل الأول لقيل وتشهد أرجلهم به بما كانوا الخ ، وهاء به في الموضعين لما ، ونسب التكلم الى الأيدى لأن أكثر الأعمال بها ، وقد قال الله جلا وعلا: { ما قدمت يداه } { وما عملت أيديهم } { بما كسبت أيدى الناس } { فبما كسبت أيديكم } { بما كسبت أيديهم } { بما قدمت أيديهم } جاء في أحاديث ما حاصله: « أن الكافر ينكر ما فعل ، وينسب الملك الكاتب الى الكذب عليه ، وقد قال الله D له: ألم أكرمك؟ فيقول: بلى لكن عملت بما أمرت به ويثنى بخير ، فيقول الملك: عملت كذا في موضع كذا وقت كذا ، وهكذا فيقول: يا رب ألم تجرنى من الظلم ، يا رب لا أقبل شاهدا إلا من نفسى ، فيقول الله تعالى: { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } وبالملائكة الكرام ، فيختم على فمه فتنطق جوارحه ، ثم يخلى فيقول: بعدًالكن فعنكن كنت أناضل » .

وجاء الحديث: عن أبى هريرة وهو في مسلم مرفوعا: « أول ما ينطق من جوارحه فخذه اليمنى » وفى مسند أحمد ، عن عقبة بن عامر مرفوعا أيضا: « أن أول ما ينطق منها فخذه اليسرى » ولعل بعضا تنطق يمناه ، وبعضا يسراه أو بعض تنطق يمناه أولا وبعض يسراه ، أو فكلتاهما ناطقة من كل انسان ، وحصر الأولوية بالنسبة الى غير الأفخاد والنطق حقيقة ، يخلق الله في الاعطاء الحياة وللعقل: { أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء } والعضو ينطق بما فعل ، وبما فعل غيره من الأعضاء ، وقيل: بما فعل ، وهذا أظهر ، لأن كل عضو ينطق بما فعل فما فائدة نطق غيره ، والأول أبلغ .

وفى حديث مسلم ، عن أنس مرفوعا: { أنه يقال لأركانه انطقى ، فتنطق بأعماله } والآية ونحوها كالأحاديث كالنص في أن المشرك مخاطب بفروع الشريعة ، وبأن هذه الأعضار هى التى كانت في الدنيا إذ كانت تنطق بما فعلت لا غيرها مثلها ، ولا الجسد غير الذى في الدنيا ، بل الذى فيها ، وهل علمها بما تنطق به محدث في الموقف ، قيل: نعم ، وقيل: علمت به في الدنيا ، وهى في الدنيا عاقلة ولا تنساه وإن نسيته رده الله تعالى اليها ، فتشهد به كما قيل: ان الأشياء كلها حتى أعضاء المشرك تسبح الله D في الدنيا ، والمراد في الآية التمثيل لما ينطق من الجوارح لا خصوص الأيدى والأرجل بدليل الأحاديث .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت