{ يعْملُون لَه ما يشاء } الخ تفصيل بعد اجمال { مِن محاريب } جمع محراب ، والمحراب صفة مبالغة من الحرب ، بمعنى كثير الحرب ، أو عظيمه ، سمى به لأن صاحبه صيره في حمايته كقوله:
جمع الشجاعة والخشوع لربه ... ما أحسن المحراب في محرابه
ويطلق على ما يبنى في قبلة المسجد يقف فيه الامام ، واستحسن أن يقف خارجه ، وقيل المحارب المساكن ، وقيل: ما يصعد اليه بالدرج كالغرف ، وقال مجاهد: المساكن ، وقيل: المساجد ، سميت باسم بعضها وهو محراب الصلاة أو حجرة فيها يعبد الله تعالى فيها ، وكانت مساجد هذه الأمة المحمدية خالية عن المحاريب ، وأحدثت بعا لأهل الكتاب ، وفسرها قتادة بالقصور والمساجد معا .
ويروى أن داود بنى بيت المقدس قدر قامة ، فأوحى الله تعالى اليه أنى قضيت اتمامه على يد ابنك سليمان ، فكف داود ، ولما كان سليمان خليفة بعد موت أبيه ، استعمل طائفة من الجن ، بعد بنا بيت المقدس في تحصيل الذهب والفضة من معدنهما ، وطائفة في تحصيل اليواقيت والجواهر والدر الصافى ، وطائفة بالمسك والعنبر ، وأمر بإصلاح ذلك ألواحا وثقب ما يحتاج للثقب ، وركب ذلك كله على بيت المقدس بعد أن بناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر ، وقيل جعل عمده من البلور الصافى ، وسقفه من الجواهر الثمينة ، وأرضه من الفيروزج ، فهو يضىء كالقمر ليلة البدر ، وإنما بنى المسجد بعد بناء المدينة كلها بالرخام الجيد ، وجعلها اثنى عشر ربضا ، أنزل في كل ربض سبطا ، ولما غزا بخت نصر الشام ، أخذ ذلك كله الى العراق ، وبنى الجن لسليمان أيضا في اليمن قصورًا وحصونا من الصخر عجيبة { وتماثِيل } جمع تمثال ، وهى صو الملائكة والأنبياء والصلحاء ، تصور في المساجد ليتذكروا عبادتهم ، فيجتهدوا ، وتصوير الحيوان في شرعهم جائز ، وكانت بالنحاس والزجاج والرخام ، وعن الضحاك صور حيوانات لمنع البعوض أو الذباب أو غير ذلك ، حتى لا يتجاوز الموضع جنس ذلك الممثل به ، وتوهم بعض أن تصوير الحيوان محرم في شرعهم فأوله بأنه لا رأس له ، وليس كذلك ، فانه حلال فيه ولو مع الرأس .
ويروى أنه صوروا له أسدين تحت كرسيه بيسطان ذراعيهما إذا أرادا الصعود ، ونسرين فوقه يظلانه إذا جلس بأجنحتهما ، والطواويس والعقبان والنسور على درجاته وفوقه ليهابه من أرد الدنو ، منه ، وذلك حكمة من الله العزيز الحكيم ، وأراد أفريدون صعوده فكسر الأسدان ساقه ، فلم يجسر عليه أحد بعده ، ومنع في شرعنا تصوير الحيوان بالرأس ، وتصوير الرأسن وجاز بلا رأس ، كما جاز غير الحيوان ، وأخطأ من أجاز التصوير لهذه الآية ، ويرده أحاديث النهى ، واختلف في تصوير ما لا يجوز تصويره بنسج أو لطخ بلا ظل ، والأحوط المنع ، لأن المنع ورد أولا في ستر بيت لعائشة فيه صور زجرها وخرقه ، وحديث « إلا ما كان رقما في ثوب ضعيف » .