{ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ هُوَ } بيّن لخلقه بالدلائل من مخلوقاته والآيات المنزلة ، أنه لا يستحق العبادة سواه ، أو شهد لخلقه بذلك ، قال A: « يجاء بصاحب هذه الآية شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، إن الدين عند الله الإسلام ، فيقول الله: إن لعبدى هذا عندى عهدًا وأنا أحق من وفى بالعهد ، أدخلوا عبدى الجنة » ، والناس يتوهمون أن آخر الآية العزيز الحكيم ، وليس كذلك بل آخرها الإسلام ، كما نص عليه هذا الحديث ، فالإسلام آخرها نظير الألباب والوهاب والميعاد والنار والعقاب والمهاد والأبصار والمآب والأسحار والحساب والعباد ، ولما نزلت خرت الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستون سجًا لله ، قال حبران جاءا من الشام: ما أشبه هذه المدينة بمدينة آخر الأنبياء ، ولما دخلا عليه A عرفاه ، فقالا: أنت محمد؟ فقال: نعم ، قالا: أنت أحمد؟ قال: نعم ، قالا: إن أخبرتنا عن أعظم شهادة في كتاب الله آمنا بك ، فنزلت الآية ، فأسلما . وعنه A: من قرأها عند نومه فقال ، أشهد بما شهد الله ، وأستودع الله هذه الشهادة يقول الله يوم القيامة: إن لعبدى . . إلى آخر ما مر ، وقيل: نزلت في نصارى نجران ، إذ حاجوا في عيسى عليه السلام ، وقيل في اليهود والنصارى إذ تركوا اسم الإسلام ، وتسعوا باليهود والنصارى ، وقالت اليهود: ديننا أفضل من دينك { وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ } من العرب وأهل الكتاب كعبد الله ابن سلام ، ومن غيرهم ، لا خصوص الأنبياء أو المهاجرين والأنصار ، أو علماء مؤمنى أهل الكتاب كما قيل ، وشهادة الله التبيين بنصب الأدلة ، أو إنزال الكلام في ذلك ، وشهادة الملائكة وأولو العلم ، كما إذا اقتصرنا على ظاهر أن شهادة الله بيان ، وشهادة الملائكة والعلماء إقرار ، أو شهادة العلماء احتجاج ، وقدم الملائكة ، لأن فيهم الوسائط لإفاجة العلم لذويه ، أو لأن علمهم كله ضرورى ، أما غيرهم فعلمه منه الضرورى والكسبى { قَآئِمًا } حال من لفظ الجلالة أو لفظ هو ، والأول كقولك: جاء زيد راكبًا: جاء زيد راكبًا وعمر وبكر { بِالْقِسْطِ } الباء للتعدية ، أى مقيما القسط ، أى العدل في قسمة الأرزاق والآجال ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم ، وفى تعيين الشرائع والمحرم والواجب والمندوب إليه ، والمكروه والمباح ، وآخر للدلالة على قرب منزلة الملائكة وأولى العلم { لآَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } تأكيد ، أو الأول شهادة ، وهذا حكم بها ، أو الأول وصف ، والثانى تعليم ، أى اشهدوا كما شهدت ، كذا قيل ، وفيه ، أنه يغنى عنه قوله: والملائكة وأولو العلم { العَزِيزُ } راجع لقوله لا إله إلا هو ، لأن العزة تلائمن الوحدانية { الْحَكِيمُ } راجع لقوله ، قائمًا بالقسط ، لأن الحكمة تلائم القيام بالقسط ، قالت اليهود: لا دين كاليهودية ، والنصارى: لا دين كالنصرانية ، فنزل:
{ إنًّ الدِّينَ } المرضى { عِندَ اللهِ } أو الكائن عند الله ، أو أن المشروع عند الله ، فعند متعلق بمحذوف كون عام نعت حذفا واجبا ، أو بنعت محذوف جوازًا كونا خاصا ، وليس ذلك خطأ من قائله ، لأنه جرى على قول لمن بنعت تقدمه ، ذكره الدمامينى ، أو متعلق بالدين بتأويله بمشروع ، والتعليق باعتبار التأويل كثير ، نحو زيد أسد في الحرب ، وذلك كله أولى من أن يعلق بنسبة الكلام ، ألا أن الدين محكوم له عند الله بأنه الإسلام ، لأن هذا معنى وعبارة أخرى لا إعراب ، ولا يجوز أن يكون حالا من اسم إن ، لأنه ليس لأن حدث مسلط عليه ، ليكون الحال قيدًا له ، أو تأكيدًا له { إلإِسْلاَمُ } الشرع المبعوث به الرسل المهنى على التوحيد ، فالجملة مؤكدة ، لأن الشهادة بالواحدانية والعدل والعزة والحكمة أسس الدين وقاعدة الإسلام ، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، والعمل لماجاء به من فعل أو ترك ، قال على: إن المؤمن يعرف إيمانه في علمه ، وعليكم بالإسلام ، ولا ينبغى أن يختلف فيه ، ألا نرى إلى قوله: ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون { وَمَا اخَتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } فى دين الإسلام ، إذ قال قوم إنه باطل ، وقوم إنه حق ، وقوم بأنه مخصوص بالعرب ، وفى التوحيد إذ قال بعض اليهود عزيز بن بالله ، وقال النسطورية من النصارى: إن الله ثالث ثلاثة ، واليعقوبية بالاتحاد أن الله هو المسيح ، والملكاثية إذ قالوا بالأقاليم الثلاثة ، الوجود والعلم والحياة ، وسموها الأب والابن وروح القدس ، وأن أقوم العلم انتقل إلى جسد عيسى ، فجوزوا الانتقال ، فكتبت وقرئت متغايرات مستقلة ، وفى وصفهم بإيتاء الكتاب تقبيح لهم ، حيث اختلفوا مع إبقاء التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك .