{ وَلَقدْ ذَرأْنَا } خلقنا ، والآية تذييل لما قبلها ، وتسلية لرسول الله A بأَن من عصاه ولم يتب فهو ممن ذرأَه لجهنم { لِجَهَنَّمَ } قدم على المفعول به الصريح لطوله ، والمراد بجهنم مطلق دار العذاب الأُخروى لا خصوص طبقة تسمى بذلك ، واللام للعاقبة لا للتعليل كقوله تعالى { وما خلقت الجن والإِنس إِلا ليعبدون } فخلقهم يترتب عليه صرف اختيارهم إِلى الباطل ، وعلى ذلك خلقهم بلا إِجبار ، ومع أَنه تعالى أَراد الكفر من الكافر ، وقيل: للتعليل وضعف . وأَولى منه أَن تكون لشبه الملك ، ولام الاستحقاق هى الواقعة بين معنى وذات ، نحو: الحمد لله ، والعزة لله ، والملك لله ، أَى التملك لله ، والأَمر لله ، ونحو: { ويل للمطففين } أَى هلاك ولهم في الدنيا خزى ، وللكافرين النار ، أَى عذابها ، ولام الاختصاص هى الواقعة بين ذاتين التى تلى لا تملك الأُخرى نحو: وللكافرين النار ، إِذا لم تعتبر عذاب النار ، ونحو: الجنة للمؤمنين ، فإِن مالك الجنة هكذا هو الله تعالى ، وإِن اعتبرت تنعم الجنة أَو لذة الجنة فللاستحقاق ، ولأَنها بين معنى وذات ، ونحو: الحصير للمسجد ، والمنبر للخطيب ، والسرج للدابة ، وأَن له أَبا ، فإِن كان له إِخوة ، والقميص للعبد ، على أَن العبد لا يملك ، وقيل: يملك ما أَعطاه غير سيده لا لوجه سيده ، وقيل: يملك ما أَعطاه سيده أَيضًا ، وعلى الأَول الشافعى وأَصحابنا . ولام الملك هى الواقعة بين ذاتين يصلح أَن تكون التى بعد اللام مالكة للأُخرى ، والمراد بالذات ما هو جسم وما ليس جسمًا ولا عرضًا نحو: لزيد دار ، ولله السموات والأَرض ، ولله الملك بمعنى الأَجسام المملوكة ، وقد تجتمع الذات وغيرها مع الذات كالمثال إِذا أريد بالملك الأَجسام المملوكة والأَعراض ، وقوله تعالى { له ما في السموات وما في الأَرض } إِذا أريد الأَجسام والأَعراض ، وإِن فسر الويل في الآية بواد في جهنم أَو بجب فيها فواقعة بين ذاتين ، وأَما دمت لك فواقعة بين معنى وذات لأَن الدوام معنى ، وكذا الشعر لفلان بمعنى نفس تركيبه أَو النطق به ، وأَما الصوت فلكل ناطق به صوت ، والصوت جسم ، وإِن شئت فاللام للاستحقاق وللاختصاص ، ومما يشمل الاختصاص الملك ، فلام الحمد لله للاستحقاق أَو الاختصاص لا للملك ، ومن قال للملك فلعله اعتبر معنى أَن الله تعالى مالك لكل شئ ، والجمهور على منع استعمال الكلمة في معنييها أَو معانيها ، فحبث احتمل استعمالها في الأَجسام والأَعراض حملت على الأَجسام فتدخل الأَعراق بالتبع ، ولو عبر عن معانيها كلها بالاستحقاق لصح وزال الاشتراط . والحق أَنه يجوز تعليل أَفعال الله بالأَعْراض على وجه لا يقدح في صفات الله سبحانه وتعالى { كَثِيرًا } لا قليلا ، وليس في الآية أَن أَهل النار أَكثر من أَهل الجنة ، بل في الحديث ، إِلا باعتبار أَن المعنى: لقد ذرأَنا لجهنم كثيرًا بخلاف الجنة فخلقنا لها قليلا بالنسبة .