{ فلمَّا جاءَهَا } أى النار لا الشجرة إذ لم يجر لها ذكر ، وذلك مجاراة على ظنه أن ما رأى نار فلا يقال: إن الله يعلم انها ليست نارًا فكيف يقول: فلما جاء النار { نودِىَ } أى موسى من جانب الطُّور { أن بُوركَ } أن مخففة ، واسمها ضمير الشأن ، لأنها قد تكون بلا فصل بقد ، ولا بالسين ، ولا سوف ، ولا حرف النفى ، والباء مقدرة أى نودى بانه بورك ، والكلام إخبار بالبركة ، لا دعاء بها لا تفسيرية ، وإلا بقى بلا منادى من أجله ، وأيضًا النداء غير البركة ، ويجوز ان تكون إن هى المصدرية الداخلة على الماضى ، كقوله تعالى: { أن كان ذا مال } بل هذا أولى وان جعلنا بورك دعاء من ملك أو صورة دعاء ، فلا إشكال في جعلها مخففة لعدم اشتراط الفصل إلا ما لم أزل ألهج به من عدم جواز دخول حرف المصدر على الطلب ، لأنه لا خارج له يعبر عنه بالمصدر .
{ مَنْ } نائب الفاعل { في النار ومَنْ حَولها } أى من في مكان النار ، ومن حول مكانها ، وهم الأنبياء الموتى المقبورون ، والمراد أرض الشام ، وهى محلهم ، ومكان النار نفس الموضع الذى فيه ، فحذف المضافان ، ويدل لما ذكر قراءة أبى: تباركت الأرض ومن حولها ، وقد قال الله D: { نودى من شاطىء الوادى الأيمن في البقعة المباركة } وتلك الأرض الشام كلها ، وهى مبعث الأنبياء ، وقبورهم ، وتكليم موسى ، وقيل مَنْ في النار موسى ، ومن حولها الملائكة الحاضرون ، وقيل: من في النار الملائكة بالتسبيح والتهليل ، ومن حولها موسى إذ هو حادث عليها ، وقيل: من في النار الله سبحانه ، ومن حولها موسى والملائكة .
ومعنى كون الله D في النار أنه الخالق لها في ذلك المحل ، المالك ، ومعنى كونه بورك ، أنه نزه عن الحلول وصفات الخلق ، وذلك أنه نادى موسى وأسمعه من جهتها ، وفى التوراة: جاء الله من سيناء ، وأشرف من ساعين ، واستعلى من جبال فاران . ومعنى مجيئه من سيناء مجىء موسى منه ، وإشرافه من شاعين مجىء عيسى ، واستعلاءه من جبال فاران مجىء محمد عليه وعليهما لاسلام ، وفاران مكة ، او المراد بورك موسى والملائكة ببركة النار ، وقد قيل: إنها نور حسبها موسى نارًا ، أو الظرفية مجازية فتفنى عن تقدير المضافين بالقرب التام .
{ وسبحان الله } سبح الله تسبيحًا { ربِّ العالمين * يا موسى } أى نزه الله يا موسى عن صفات الخلق من الحلول في مكان وزمان ، والتشخص ، والنطق ، والخرس ، والجوارح ، حذره عن التشبيه حين سمع كلامه ، فانه كلام خلقه الله في الشجرة ، او في الهواء ، أو في جسم موسى ، أو تكلم به ملك عنه تعالى ، وليس ذلك خبرًا من الله ، بل أمر ولا حاجة الى جعله تعجبًا على تقدير القول ، أى وقال سبحان الله ، نعم يجوز ان تكون تعجبيًا وهو صادق بتفسيرى ، ولا ينافيه فغن أره بالتنزيه تعجيب ، نعم يجوز أن يكون ذلك من كلام موسى ، اى سبحت الله تسبيحًا ، وإذا علقنا يا موسى بما قبله كانت الفاصلة الحكيم ، وإن علقناه بما بعده ، كانت الفاصلة العالمين .