{ وَاكْتُبْ } أَوجب أَو أَثبت أَو أَقسم ، واختار الكتب لأَنه أَدوم ، أَو وفقنا للحسنات التى يكتبها الحفظة { لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً } ما يحسن من طاعة ونعمة وعافية وسهولة الموت { وَفِى الآخِرَةِ } حسنة تسهيل القبر والحشر والحساب والموقف والجنة ، وكأَنه قال: اقبل وفادتنا ، واجعل جائزتنا المغفرة والرحمة { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } رجدنا إِليك بالتوبة ، تعليل جملى للدعاء ، فإِن الدعاءَ مما يوجب قبوله ، وأَصل الهود الرجوع برفق ، سميت به اليهود مدحًا ، ولما بدلوا كان ذمًا لهم لازمًا باعتبار المسمى لا باعتبار مدلول اللفظ ، والمراد هدنا إِليك من معصيتنا ، والعجب ممن يخطِّئ نافعًا وغيره في ضم الهاء ، ورغم أَنه لا يقال هاد يهود ، بل هاد يهيد بمعنى مال يميل ، كما قرأَ زيد ابن الإِمام على بن أَبى طالب ، فإِن الضم قراءَة متواترة ، والقراء إِنما أَخذوا القراءَات عنا لصحابة كنافع عن ابن عمر وعن التابعين ، ويجوز أَن يكون مبنيًا لمفعول ، من هاده يهيده حرَّكه ، فهم حركوا أَنفسهم أَو حركهم الله أَو الوعظ على لغة من يقول في باع بوع { قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ } تعذيبه لخذلانه أَو تكفير الذنوب به كما أمروا بقتل أَنفسهم وكإِعلاء الدرجات ، لا اعتراض على ، فإِن المخلوقات كلها ملك لله D ، ولا اعتراض على من تصرف في خالص ملكه وملك المخلوق غير خالص ، فيعترض عليه بالأَمر الشرعى كالنهى عن الإِسراف وظلم العبد وإِخراج الزكاة { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَئٍ } فى الدنيا بالإِحياء والصحة والعقل فيمن عقل والزرق للمؤمن والكافر والمكلف وغير المكلف ودفع البلاء وغير ذلك . قيل: هذا معنى رحمتى سبقت غضبى . ويروى غلبت غضبى ، وإِذا صار الناس إِلى الآخرة وجبت الرحمة للمؤمنين خاصة والكافر كالمستضئ بنور غيره ، فإِذا ذهب نور السراج بالسراج بقى في الظلمة ، عبر بالمضارع في العذاب وباماضى في الرحمة وسعتها ، قيل: لأَن الرحمة مقتضى الذات ، والعذاب مقتضى المعاصى ، والمشيئة معتبرة في جانب الرحمة أَيضًا ، ولم يقل: { وسعت كل شئ } مما أَشاء ، أَو وسعت من أَشاءَ تعظيمًا لأَمر الرحمة ، وقيل: للإِشعار بغاية الظهور ، لما نزل ذلك قال إِبليس والمشركون بلسان الحال: أَنا من كل شئ ، فنزل قوله تعالى: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك والكبائر ، تعريض بأَن هؤلاء غير متقين ، والسين للتأكيد لا للاستقبال ، والمضارع للحال ، أَو بمعنى الماضى ، وما قبل هذا إِجمال ، وهذا الكتب تفصيل خصوص ، وقال بعض إِن المراد بالذين يتقون عموم المتقين من غير أَهل الكتاب ، ومن أَهل الكتاب ، ونسبه بعض للجمهور { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } المفروضة ، لم يذكر الصلاة اكتفاء بالتقوى ، إِذ تركها أَعظم ما يتقى بعد الإِشراك من حقوق الله D ، وزعم بعض أَن إِيتاءَ الزكاة هنا تزكية النفس بطاعة الله ورسوله ، قيل: ذكر الزكاة لمشقتها على بنى إِسرائيل لمزيد حبهم للدنيا { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } فقالت اليهود والنصارى بلسان الحال: نحن نؤمن بالتوراة والإِنجيل ونؤدى الزكاة ، فنزل ردًا عليهم قوله تعالى:
{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ } فى شرعه كله إِذا أَدركوه ، أَو قومك الآن باعتقاد الإِيمان به ، فمن لم يؤمن به من قومك هلك ، والرسول أَخص من النبى ، وقدم مع ذلك ، والغعالب تقديم الأَعم ، وأَما ما قيل: الرسالة من الله والنبوة الإِخبار منه للعباد ، وما قيل أَن النبى نبئَ من الله وما لا تستقل العقول بإِدراكه ، وأَنهما مفهومان مفترقان فلا يكفى جوابًا { النَّبِىَّ الأُمِّىَّ } وإِنما آخر الصفة العامة وهى النبى لتخصيصها بالأُمى ، فالنبى بهذا أَخص من الرسول ، ولا سيما أَنه ذكر بلفظى النبى والأُمى في التوراة ، وذلك بحسب الوضع الشرعى والاستعمال ، وأما بحسب الوضع واللغة فكل منهما عام وقد جاءَ رسولا نبيًا ، والأُمى نسب إِلى الأُم كأَنه كما و لد من أمه { الَّذِى يَجِدُونَهُ } أَى باسمه وصفته ولحذفهما أَفرد قوله { مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ } لا يغيب عنهم لظهوره في التوراة وتكرره فيها { فِى التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ } اسمه فيها « المنحمنا » بضم الميم الأُولى وكسر الثانية أَفصح من فتحها ، وهو بالسريانية في التوراة ومعناه محمد الذى يحمده الخلق وفى الإِنجيل أَحمد ، وبسطت الباب في شرح نونية المديح: « تيمم نجدا في تلهفه الجانى » وهو أَكثر من ثلاثة مجلدات .