{ وهزِّى إِليكِ } زعموا أنه لا يعمل الفعل في ضميرين متصلين لمسمى واحد ، ولو جرى الثانى بالحرف إلا في باب ظن وعلم ، وفقد وعدم ورأى الحلمية قلت: لا مانع من ذلك إذا كان بحرف الجر ، كما هنا ، وكما في قوله تعالى: { واضم إليك } وقوله: { أمسك عليك زوجك } وقوله: { يدنين عليهن } وقوله: { فصرهن إليك } وهو كثير في القرآن ، وما كثير لا يحسن منع القياس عليه ، ولا تأويله ولم يجىء في القرآن بلا حرف ، وهو الممنوع نحو: ضربتَكَ بفتح التاء ، وضربتُنى بضمها ، وزيد ضربه برد المستتر ، والهاء إلى زيد فهو متعلق بهزى ، ولا حاجة إلى تقدير أعنى إليك .
وأيضًا إلى في هذه العناية أن علقت بهز محذوف فقد رجعت إلى المحذوف ولو قدر مضافًا أى إلى جهتك كان أولى ، مع أنه لا حاجة إليه ، ولا حاجة إلى جعل اسمًا بمعنى عند ، ولا إلى جعلها اسم فعل ، وعدى بالى لتضمنه معنى الإمالة ، بل لا يحتاج إلى تأويل ، ألا ترى صحة قولك: هزى إلى كذا ، وكأنه قيل حركه إلى كذا ، والهز التحريك أى إلى جهة بعنف أو بلا عنف ، والهز إلى جهتها أو يمينا وشمالا فيسقط التمر قدامها .
{ بِجِذْعِ النَّخْلة } الباء متصلة للتأكيد ، والجذع مفعول به ، وإن جعلنا الباء للآلة فالمفعول محذوف تقديره ، هزى بجذع النخلة فروعها أو قنوانها ، ولا يحسن هزى ثمارها ، وقد كان يكفى عن هزها هز محلها ، فلا يحسن جعل رطبًا مفعو به لهزى ، ومن خوارق العادة قدرتها على هز جذع النخلة ، أو خلقه الله رقيقا لينًا ، وكون ذلك في غير أو أن الرطب ، خارق آخر ، ويروى أن عيسى أو جبريل ضرب الأرض بعقبه ، فجرت العين اليابسة ، واخضرت النخلة ، وأثمرت وأنعت { تُسَاقِط عليك } تتساقط ، أدغمت التاء الثانية في السين والفاعل ضمير النخلة { رطبًا } تمييز محول عن الفاعل الأصل تتساقط عليك رطبها ، وهى نضج البسر ، والواحدة رطبة ، ومعنى على العلو على قدامها ، ويحتمل السقوط على رأسها أو حجرها ، أو على مطلق جسدها ، فذلك بيان لكثرة الثمار الساقطة ، وأكد الكثرة بإسناد السقوط إلى نفس النخلة ، وأكدها أيضًا بصيغة التفاعل .
{ جَنيًا } تم نضجه كلها ، خرج عن البسر ولم يصل التمر ، وكان بحيث يستحق أن يجنى ، أى يقطف من متعلقه ، وما يجنى خير مما يسقط في الجملة ، لأنه يلتصق بالتراب ، وقد تأكل منه نملة ، وقد يكون قديما ، وما قرب عهدًا أحسن مما بعد عهده ، ولكن جمع الله تبارك وتعالى كونه ساقطًا في نظافة ما يدنى ، وما مفرده بالتاء هكذا يذكر ويؤنث ، ولذا قال: جنيًا ، ولم يقل جنية .
وعن ابن عباس: لما هزت الجذع أسعف فاطلع ، فاخضر فأبلح ، فاجمر أو اصفر فأزهى فأرطب في ساعة واحدة ، وهى تنظر ، وكان برنيًا أو عجوة ، وهو المشهور ، قيل: حملت أيضًا الموز ، ولم يذكر لأن غاية النفع للنفساء في الرطب ، وعن محمد الباقر لم تستشف النفساء بمثل الرطب أن الله أطعمه مريم في نفاسها ، وقالوا ما للنفساء خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل ، قيل: ولا سيما إذا عسر نفاسها ، وذكروا أن التمر للنفساء من ذلك الوقت ، وكذا تحنيك الصبى به إذا ولد ، وفى أمرها بالهز إشارة إلى الأمر بالكسب ، وأنه لا ينافى التوكل قيل: