{ وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ } بعذاب الله تثبيتًا للمؤمنين وزجرًا للكفرة بأَنه ينزل إِن لم يؤمنوا وفى المؤْمنين أَيضًا ما ينذر عنه { الْمُبِينُ } الظاهر الإنذار ، أو مبين لطرق النجاة وطريق الهلاك ، وفى ضمن ذلك تبشير بالجنة للمؤمنين ووصفه بالمبين لأَن إنذاره أبين من إنذار غيره من الأنبياء لأَنه بلسان القال ولسان الحال لأَنه من أشراط الساعة ، ولعله لهذا أنزلنا العذاب على المقتسمين ، ويكفى هذا ، وأوضح منه أن يقدر أنا النذير المبين بإنزال العذاب كما أنزلناه على المقتسمين اليهود والنصارى المقتسمين للكتب إذا آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، وأنزلنا بمعنى ننزل لأَن عذاب النضير وقريظة إِنما وقع بعد الهجرة باخراجهم ، السورة مكية فالمعنى لتحققق الوقوع بعد ، وكذا إن فسرنا المقتسمين بقريش الذين قسموا طرق مكة باثنتيى عشر رجلا أو ستة عشر أَو أَربعين في مواسم الحج والأَسواق ، وجعلوا في كل طريق من يصد الناس عنه A بكلام يقوله كساحر ومجنون وكاهن وشاعر وأساطير الأولين وتعليم بشر ونحو ذلك إنما هو بعد الهجرة ، وقتلوا يوم بدر ، وقيل: ماتوا بالحرب ، قيل: ومنهم الوليد بن المغيرة ، والمشهور أنه مات بخدشة السهم المسموم ، فالإنذار بعذاب يشبه عذابًا سيقع ، او الاقتسام افتعال من القسم وهو الحلف ، فهم الرهط التسعة الذين تقاسموا أن يقتلوا صالحًا ليلا فرجموا بالحجارة ، وهذا لا يناسبه قوله تعالى:
{ الَّذِين جَعلُوا الْقُرآنَ عِضِينَ } إلا إن جعلنا القرآن ما على عهد صالح من كتب الله ، أَو قلنا لما خالفوا ما فيه صاروا كأَنهم جعلوه عضين ولو كان يجىء بعدهم ، أَو تجعل الذين مبتدأٌ خبره: فوربك إلخ ، ويجوز أن يعود التشبيه إلى آتيناك سبعًا لأَن الإِيتاءَإنزال كأَنه قيل: ولقد أنزلنا إليك سبعًا من المثانى كما أنزلنا على المقتسمين إلخ ، إلا إنه لا يتبادر تشبيه إنزال الآيات أو السور مثلا بإنزال العذاب إلا على التهكم بهم ، أَو على الامتنان عليه A بأَنا عوضنا أعداءَك العذاب في مقابلة إنزال السبع عليك ، وعضين جمع عضو أى أجزاء حذفت لامه فجمع جمع المذكر السالم ، ولو كان غير عاقل ، إلا أنه لم يعوض التاءَ ، ثم اطلعت أَنه ورد في كلام عضة بمعنى عضه فيكون قج عوض كسنة ، وذلك أَن أَهل مكة جعلوا القرآن أَجزاء ، بعض يقول سحر وبعض يقول كهانة وبعض يقول شعر ، وهكذا ، أَو أَهل الكتاب جعلوه قسمين؛ بعضه حق موافق للتوراة والإنحسل ، وبعضه باطل مخالف لهما ، أَو قال بعض منهم استهزاء ، سورة كذا من كتاب محمد لى ، وقال آخر سورة كذا لى ، وهكذا ، أو قالوا هذه لك وهذه لى ، أَو كفر أهل الكتاب ببعض كتبهم وآمن ببعض ، أَو قول النصارى في التوراة واليهود في الإنجيل ، وقد أمر النصارى بالإيمان بالتوراة واليهود بالإيمان بالإنجيل ، وعلى هذا فالقرآن التوراة والإنجيل فيكون تسلية له A بأنهم كفروا بكتبهم كما كفر قومك بكتابهم ، وهذا إذا فسرنا الاقتسام إلى إقرار ما وافق هواهم وتبديل ما لم يوافقه أو إخفائه كما قال الله جل وعلا: تجعلونه قراطيس إلخ ، أَو المفرد عضه بالهاء حذفت وعوضت التاء فجمع بمعنى أسحار أو كذب أَو بهتان .