فهرس الكتاب

الصفحة 4293 من 6093

{ وقالُوا } حين دعاهم الى التوحيد { قلُوبُنا في أكنَّةٍ } أغطية عظيمة لا ينفذها بصر ، ولا شىء ، ولا يخرقها ، والمفرد غطاء بالكسر ، وعن مجاهد هى جعاب النبل ، وهو غطاء أيضا للنبل ، وذلك استعارة عن القسوة العظيمة ، ووزنه أفعلة نقلت كسرة النون الأولى الى الكاف الساكنة ، وأدغمت في النون بعدها { ممَّا تدْعُونا إليْه } من الايمان بالله وحده ، واتباع سائر ما يوحى ، ومن للابتداء كقولك: رأيته من ذلك الجبل ، تريد تحصلت لى رؤيته من الجبل الذى هو فيه ، وأنا في غيره ، أو بمعنى عن ، وعلى كل حال تتعلق بأكنة { وفى آذاننا وَقْر } ثقل سمع لا نسمع الأصوات ، وذلك استعارة عن الاعراض التام بالقلوب .

{ ومِنْ بَيْننا وبيْنِك حجاب } عظيم يمنعنا من التواصل يستوعب القسمة ، لأن من للابتداء من جانب كل ، فينتهى كل الى الآخر ، ولو لم يذكر قوله: { وبينك } وغلب التكلم على الخطاب ، فكيف وقد ذكره ، ولو لم يذكر من احتمل الاستيعاب وعدمه ، ولو ذكر قوله: { وبينك } بالغوا في إقناط رسول الله A من ايمانهم بثلاث جمل تمثيليات ، سدوا محل المعرفة وهو القلب ، وما يوصل اليه المعرفة ، وهو السمع والبصر الممنوع بالحجاب ، والحجاب مستعار للقسوة ، أو الامتناع الشديد ، والكلام كفايات متعددة بدون استشعار تشبيه ، أو استعارات مفردات أو استعارة تمثيلية ، وكذا تجوز في الجملتين قبل ، وفى قوله: « قلوبنا في أكنة » استعلاء الأكنة على القلوب ، لأن الغطاء مستعل على ما غطى به ، فهو موافق لقوله تعالى: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } فى الاسراء والكهف وكانت بعلى لأن الاسناد فيهما الى الله D ، فناسب الاستعلاء اذ قال: { جعلنا } وهنا حكاية كلامهم فكان بفى ، وزادوه اقناطا بما ذكر الله عنهم في قوله D: { فاعْمَل } على دينك { إنَّنا عامِلونَ } على ديننا ، أو اعمل جهدك في كيدنا بابطال ديننا ، إنا عاملون كذلك في إبطال دينك ، وفى هذا المعنى أيضا اقناط ، الا أن في الأول متاركة ، وفى هذا مجاهرة في العناد .

والمقصود بالذات أنا عاملون وأما فاعمل فتوطئة له ، قال عمر رضى الله عنه: أقبلت قريش الى رسول الله A فقال: ما يمنعكم من الاسلام فتسودوا العرب فقالوا: يا محمد ما نفقه ما تقول ، ولا نسمعه ، وأن على قلوبنا لغلفا فأخذ أبو جهل لعنه الله ثوبا فمده بينه وبين رسول الله A أى كالستر فقال: يا محمد قلوبنا في أكنة مما تدعونا اليه ، وفى آذاننا وقر ، ومن بيننا وبينك حجاب ، ولما كان من الغد أقبل منهم سبعون رجلا الى النبى A فقالوا: يا محمد أعرض علينا الاسلام ، فلما عرض عليهم الاسلام أسلموا عن آخرهم فتبسم النبى A وقال: « الحمد لله بالأمس تزعمون أن على قلوبكم غلفًا وقلوبكم في أكنة مما أدعوكم اليه ، وفى أذانكم وقرأ وأصبحتم اليوم مسلمين » فقالوا: يا رسول الله بالأمس ، لو كان كذلك ما اهتدينا أبدا ، ولكن الله تعالى الصادق ، والعباد الكاذبون عليه وهو الغنى ، ونحن الفقراء اليه ، ولعل الحديث لم يثبت الا ان ارتدوا بعد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت