{ ما جَعَل } خلق { اللهُ لرجلٍ مِن قلبَيْن في جَوفه } قيل لانه لا يخلو اما ان يفعل بهذا القلب كل ما يفعل الاخر: فأحدهما لا حاجة اليه ، واما ان يفعل به ما لا يفعل بالاخر ، فيكون راضيا كارها ، جاهلا عالما ، بخلاف اليدين مثلا فانه يحتاج اليهما معا في العمل الواحد من الاعمال ، وذكر القلب يغنى عن ذكر الجوف ، لكن ذكر لتأكيد التصوير كانه مشاهد كقوله تعالى: { ولكن تعمى القلوب التى في الصدور } ومن صلة في المفعول به ، واذا لم يكن للرجال قلبان فأولى ان لا يكونا للمرأة والصبى قبل كبره .
نزلت في انه A سها في صلاته ، وقال كلمة بلا عمد فقال من يصلى معه من المنافقين له: قلبان: قلب قلب معكم ، وقلب مع اصحابه ، الا ترون الى كلامه في الصلاة ، روى مثله احمد والترمذى والطبرى عن ابن عباس ، او نزلت في ابى معمر الفهرى ، يقول اهل مكة: له قلبان لقوة حفظه ، وهو جميل بن أسد ، او ابن أسيد بالتصغير ، وسماه ابن دريد عبدالله بن وهب ، وزعم بعض ان ذا القلبين جميل ابن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح الجمحى ، وقيل حارثة ابن حذافة ، وكان ابو معمر يقول: ان لى قلبين افهم باحدهما اكثر مما يفهم محمد A ، ومر منهزما يوم بدر بأبى سفيان ، فساله فقال: ان الناس ما بين مقتول ومنهزم ، وقال: ما بال احدى نعليك في رجلك والاخرى في يدك؟ فقال: ما ظنتها الا في رجلى ، فأكذب الله قوله وقولهم فيه ، واسلم بعد .
او نزلت في جماعة يقولون: لى نفس تأمرنى ونفس تنهانى ، او نزلت في هؤلاء كلهم ، وقيل: من حق التقوى الى امرت بها ان لا يكون في قلبك تقوى غير الله تعالى لانه ليس للمرء قلبان يتقى بواحد ربا ، وبالاخر غيره ، وقيل: مثال بان لا يكون لرجل امان ، ولا يكون رجل واحد ابنا لرجلين ، كما لا يكون له قلبان ، فذلك نهى عن الظهار .
{ وما جَعَل } صير { أزواجكم اللائى تَظاهرون منهنَّ أمَّهاتِكم } الاصل تتظاهرون ، ابدلت التاء الثانية طاء ، وادغمت في الظاء ، ومعنى تظاهر انت ظهر امى مثلا ، كأفف قال: أف ، ولبى قال: لبيك ، وكان الظهار طلاق الجاهلية ، والظهر في كلامهم ذلك بحسب الاصل مجاز عن البطن ، لان الجماع من جهة البطن ، والعلاقة الجوار ، ولان الظهر عمود البطن ، او ذكروا الظهر لانه محل الركوب ، والمرأة تركب عند الجماع من جهة البطن ، والمعنى انت محرمة على لا أركبك ، كما لا أركب ظهر الام ، او لان جماع المرأة في قلبها من ظهرها حرام عندهم ، وقيل: كنوا بالظهر عن البطن لانهم يستقبحون ذكر الفرج وما يقرب منه ، ولا سيما في الام ، ويقال: ظاهرها وظاهر منها ، وقيل: من لتضمن معنى التباعد .