{ رَبِّ اجْعلْنِى مُقِيمَ الصَّلاَةِ } بشروطها وشطورها والدوام عليها ، وترك الدوام عليها غير إقامة لها ، فالدوام عليها إقامة لها حقيقة كشطورها وشروطها لا مجاز ، فليس في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، أعنى أنها حقيقة عرفية شريعة ، كما أن إطلاق الإقامة في شطورها وشروطها حقيقة كذلك ، والإِقامة في اللغة تقويم الجسم كالعود { ومِنْ ذُرِّيَّتِى } من للابتداءِ وللاستغراق فيه ، فيصدق بما إذا جعل بعض ذريته ، كما إذا جعلت للتبعيض ، والتقدير واجعل قوما من ذريتى مقيمى الصلاة ، ولو عطف على الياء لقيل: مقيمى الصلاة بالجمع ، إلا على طريق العطف على معمولى عامل ، أَى اجعلنى مقيم الصلاة وقوما من ذريتى مقيميها ، والتبعيض لعلمه بالوحى أن من ذريته كفارا ، أَو باستقراره أَن الأُمم لم تخل من كفار { رَبَّنَا وتَقَبَّلْ دُعَاءِ } ما زال يكرر ذكر الله مبالغة في التضرع ، والمراد الدعاءُ المذكور ، أَو المقصود بالدعاءِ هنا العبادة فلا تكرير ، أَو قوله: ربنا متعلق بقوله: ومن ذريتى فلا تكرير أيضا ، وكذا إن أُريد الدعاءُ الماضى والآتى فلا تكرير ، ومن الاتى قوله:
{ رَبِّنَا اغْفِرْ لِى } هذا قبل أن يعلم بالعصمة فخاف صدور الذنوب منه بعد ، أَو خاف أن يكون قد أَذنب ولم يعلم ، أَو اغفر لى ما فعلته أَو أَفعلته من مكروه أَو مالا ينبغى ، أَو مالا يعد في حق الأَنبياءِ ، ويعد في حق غيرهم ، أَو تضرعا وتعظيما لله D - وهضما لنفسه { ولِوَالِدىَّ } قاله قبل أَن يعلم أَن أباه شقى ، أَجاز الله الدعاء بالمغفرة لاحتمال أنه يتوب ، وقد علم الله أنه لا يتوب ثم بين الله له أنه لا يتوب ونهاه عن الاستغفار له ، وأَما أُمه فقيل: آمنت ، وقيل لم تؤمن ، وقالت الشيعة أبواه مؤمنان وأَبوه الكافر جده لأُمه أو عمه ، وقيل أَن أُمه مؤمنه وأن أَباه نوح ، ويبعد ما قيل أَنه أَراد بوالديه آدم وحواءَ ، وقيل: أَراد أَباه وأُمه على شرط التوبة ، أَو أَراد بالتوبة سببها وهو الإسلام كأَنه قال: اللهم اهدهما للأسلام ، كما تقول الأنبياء: اللهم اهد قومى ، ويبحث بأَنه لو كان كذلك لزم نسخ جواز اللهم اهد قومى لقوله تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم } الخ فيجاب بأَن الاستغفار على هذا لا يجوز ، ولو أُريد به طلب الهداية فيجوز اللهم اهداه ، ولا يجوز اللهم اغفر له ، ولو أُريد به طلب الهداية وفى ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، أَو يقدر واغفر لوالدى أَو من عموم المجاز { وَلِلْمُؤْمِنينَ } عمم بعض تخصيص نفسه وذريته وقدم نفسه لأَن ذلك هو الأحق ، وأَما ذريته ففى دعاء آخر وخصها لأنها أحق كنفس الإنسان ، ولأن إيمان ذريته سبب لإيمان الأَتباع ، قال الشعبى: ما يسرنى من دعوة نوح وإبراهيم عليهما السلام للمؤمنين والمؤمنات حمر النعم { يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } يثبت ، شبه ثبوته بالقيام على القدمين ، وجعله من حسنه تأْكيدا للمفعول بالمحسوس فاشتق منه على الاستعارة التبعية يقوم بعنى يثبت أو شبه الحساب بالإنسان ورمز إليه بلازم الإنسان ، وهو القيام على القدمين الذى إثباته تخييلية لهذه المكنية المرموز إليها ، ووجه الشبه الظهور إلى الحساب ، أَو أَهل الحساب إليه فحذف وأسند القيام إلى الحساب مجازا عقليا .