{ وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَكُمْ } خلقكم . قال هنا أَنشأَ بخلاف بقية السور ليس فيها لفظ أَنشأَكم ليوافق قوله بعد { وهو الذى أَنشأَ جنات } والكل في الإِيجاد بعد العدم للدلالة على البعث ، وقد وافق قوله قبل { وأَنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } فينبغى أَن يقال كلاهما لموافقة أَنشأَ جنات ، إِذ هن في سورة واحدة نزلت بمرة ، أَو للتفنن ، أَو لاعتبار مفهوم الخلق تارة وهو قطع الشئِ وفرضه ، ومفهوم أَنشأَنا تارة وهو الإِبداع ، والخطاب لبنى آدم كلهم ، أَو من وجد وقت النزول ومن وجد بعده { مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَة } آدم ومنه خلقت حواء من ضلعه ، وعيسى إِذ هو من مريم ومن ذريته ، ويأجوج ومأجوج ، وإِذا كنتم من نفس واحدة فلم يتعاظم بعض على بعض ، ولم لا تكونون في المعاونة على الخير كواحد ، ولم يظلم بعضكم بعضًا وكأَنه ظلم نفسه ، والرجوع إِلى أَصل واحد أَقرب إِلى التواد ، وقد اجتمعنا أَيضا في نوح . وجمهور العرب في إسماعيل وإِبراهيم ، وأَهل التوحيد على اختلاف المذاهب في دين الإِسلام ، والنبى محمد A ، ومع كونهم من نفس واحدة اختلفت أَجسامكم في الأَلوان والخصال والأَحوال وذلك لكمال قدرته تعالى { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } مصدران ، أَى فلكم استقرار واستيداع ، أَو اسما مكان أَى موضع استقرار وموضع استيداع ، أَو اسما زمان أَى مدة استقرار ومدة استيداع ، والاستقرار في الأَصلاب والاستيداع في الأَرحام ، أَو الاستقرار في الأَرحام والاستيداع في القبور ، أَو الاستقرار في الأَرض والاستيداع وفى بعض ذلك والاستيداع في القبور ، وناسب الاستقرار الصلب والاستيداع الرحم لأن النطفة في الرحم بفعل الأَب فكأَنه استودعها ولا استيداع له في الصلب ، والله يستودع كل ما يشاء لما شاءَ ، قلت: أَخرج الله ذرية آدم منه وردها فيه ، ولا بأس من تسمية هذا الرد استيداعا ، فالصلب مستودع . ويناسب الاستقرار في الأَرحام قوله تعالى: { ونقر في الأَرحام } ويناسب الاستقرار في الأَرض قوله تعالى { ولكم في الأَرض مستقر } والإِنسان وديعة في القبر يخرج منه تارة أُخى ، وصلب الأَب مستقر للنطفة وقدم على الاستيداع لتقدمها في الصلب على وقوعها في الرحم إِما على أَن الولد من نطفة الأَب فقط وهو ضعيف فواضح ، وإِما على أَنه منها ومن نطفة الأم ففيه أَن نطفة الأم في الترائب متقدمة على الرحم فيجاب بأَن نطفته أَعظم وعمدة ، وأبى بن كعب فسر الآية بالاستقرار بالأَصلاب وبالاستيداع في الأَرحام ، وأَكثر الروايات عن ابن عباس كما أَجاب به خبر تيماء إِذ سأَله أَن المستقر الرحم والمستودع الصلب لقوله تعالى { ونقر في الأَرحام } وعن الحسن: أَنت وديعة في أَهلك ويوشك أَن تلحق بصاحبك ، وقال لبيد: