{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } مفعول مطلق أَى رجعتين يقال كر ، أَى رجع واللفظ ثلاث نظرات الأُولى بقوله { فارجع البصر } والاثنتان بقوله { كرتين } وإِن عددنا واحدة في قوله تعالى: { ما ترى فأربع } ، وعلى كل حال ليس المراد الأَربع أو الثلاث فقط بل التعدد الكثير إِذ لا يرجع البصر خاسئًا وهو حسير بمجرد أربع أو ثلاث فكرتين من ذكر اثنين مراد به الكثير كالتثنية في لبيك وسعديك ويكون ذلك أيضا بمفردين متعاطفين كقوله:
لوعد قبر وقبر كان أكرمهم ... بيتًا وأبعدهم عن منزل الدام
والمراد قبور كثيرة جدًا وقيل لا مانع من إِبقائه على ظاهره من المرتين إِذ يمكن الغلط بالأُولى فيستدرك بالثانية فتتم ثلاث وفيها كفاية ، وزعم بعض أن الأُولى ليرى حسنها واستواءها والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها ، وقيل ما في الآية إِلا مرتان الأُولى فارجع البصر والثانية ثم ارجع البصر بمعنى حصل برحعه تمام اثنتين ، وكل ذلك ليس بشئ { ينقَلِبْ إِلَيْكَ الْبصَرُ } يرجع إِليك ناظر عينيك { خَاسِئًا } خائبًا من وجود فطوْر ومعنى رجوع العين رجوعها عن النظر إِلى ذلك من غيره ، وفسر بعض خاسئًا بمتحيرًا { وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل من تكرار النظر منقطع فعيل مفعول والجملة حال ثانية أو حال من المستتر فى { خاسئًا } ثم إِن كنا نرى السماء الدنيا جسمًا أخضر فإِنا لا نرى السموات الأُخر وآمنا بكل ما قال الله D فهمناه أو لم نفهمه . وهذه الخضرة المائلة إِلى السواد لا أتحققها جسمًا بل جو عجز البصر عن نفاده فالشئ الذى أمرنا الله بالنظر إِليه سماء آمنا بوجودها ، ومعنى أمره إِيانا بالنظر إِليها النظر إِلى جهتها فننظر ولا نحصل بنظرنا فطورا فيها لعدم إِدراكنا إِياها ، وكفى ذلك في انتفاء إِثبات الفطور وكأَنه قيل هل تعلم فيها فطورًا فاستعمل نظر وجهك لعله يحصل لك علم به ألا ترى أن السماوات فرق هذه إِنما لنا علم بها لا إِدراك بالبصر إِلا ما فيهن من النيرات . فلعل إِدراك النيرات إِدراك للسماوات كلها . ولو انشقت لأَصاب نيراتها خلل ولا مانع من أن الخضرة خضرة السماء ولونها خلق الله فينا إِدراكها مع بعدها بخمسمائة سنة وأعجزنا عن إِدراك ما دخل في ذلك الجو من طائر أو غيره فنفسر هذا الإِدراك بالعلم الشامل لعلم السماوات الست ، ويقال عن كعب الأحبار السماء الدنيا موج مكفوف ، والثانية رخام أبيض ، والثالثة حديد ، والرابعة نحاس ، والخامسة فضة ، والسادسة ذهب ، والسابعة ياقوت أحمر ، وفوقها صحار من النور إِلى الحجب السبعة .