{ قال كذلك قال ربُّك هُو علىَّ هينْ } هذا إبطال للاستبعاد وتقرير التحقيق . وتقدم كلام في مثل هذا أو لا يبعد أو يجعل هنا كذلك مبهما وقال: ربك إلخ تفسير له ، ويكون الأمر كذلك تصديقًا للاستبعاد أو الأمر كما وكدت تحقيقًا له ، وقال ربك إبطال للبعد ، وتقرير للتحقيق ، ومقول القول الثانى هو: { علىَّ هيِّن } وإِن رد القول لما قبله قدر ، قال هو علىَّ هيِّن ، لأن جبريل لا يقول هو علىَّ هَيِّن .
{ ولنجْعَلهُ آيةً للنَّاسِ } أى وفعلنا ذلك ، أو قضينا ذلك لنجعله آية للناس ، أى لنجعل ذلك الفعل أو القضاء أو الغلام ، أو وهب الغلام ، أو لنجعله آية لها وبرهانًا ، ولنجعله آية للناس كلهم آو المؤمنين ، كما لابْن عباس يستدلون به على كمال قدرتنا ، أو لنبين به عظم قدرتنا ولنجعله آية أو يعطف لنجعله على لأَهَبَ بالهمزة بلا التفات ، أو على لأهب بالياء على طريق الالتفات من الغيبة الى التكلم ، الوجهين بعد تبين المتعاطفين .
{ ورحمةً } عظيمة { منَّا } يهتدون بهداه { وكان } ذلك { أمرًا مقْضيًا } محكمًا قضى به في الأزل أو المعنى أنه كتب في اللوح أو اقتضته الحكمة ، ورحمتنا الواسعة ، والجملة تذييل لهبة الواد ، وما يتعلق بها ، ولجعله آية ورحمة ، فاطمأنت إلى قول البشر السوى ، فدنا منها فنفخ في جيبها ، فدخلت النفخة في جوفها ، فكان ما ذكر الله D في قوله:
{ فحملته } وقيل نفخ من بعيد ، فوصل النفخ جوفها كما روى عن ابن عباس ، وقال ابن جريج: في كمها ، وقيل في ذيلها ، وقيل في فيها ، وسنها ثلاث عشرة حينئذ ، وعن وهب ومجاهد: خمس عشرة ، وقيل: ست عشرة ، وقيل: أربع عشرة ، وقيل: اثنتا عشرة ، وقيل عشر ، وكان الحمل بعد حيضتين ، وقال محمد بن الهيصم رئيس الكراهية الهيصمية: لم تحض كما قيل: إنها مطهرة البتة ، ومدة حملها تسعة أشهر أو نحوها على المعتاد ، كما روى عن ابن عباس ، ومحمد الباقر ، إذ لو خالفت ذلك لذكر في غرائبها المذكورة في السورة ، وقيل ساعة واحدة ، كما دل له التعقيب على ظاهره بلا تأويل في قوله:
{ فانْتَبذتْ به } أى اعتزلت ، وهو في بطنها ، والباء متعلق بانتبذت أو بحال محذوفة وجوابًا كونًا عامًا أى ثابتة معه ، أو جوازًا كونًا خاصًا ، أى ملتبسة به ، ويدل أيضًا لكونه ساعة أنها محل الرحمة مع ذكر الرحمة قبل ، ولو طالت المدة لطال عتاب الناس لها ، أن ظهر حملها ، ويدل له أيضًا قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله } الخ إلى قوله: { ثم قال له كن فيكون } المقتضى للسرعة ، ولو بقيت طينة آدم مدة طويلة .
وعن عطاء ، وأبى العالية ، والضحاك: حملته سبعة أشهر ، وقيل ستة ، وشهر ثمانية أشهر ، ولم يحى مولود في ثمانية أشهر غيره ، فذلك من خصوصياته ، وقيل حملته ساعة ، وصور في ساعة ، وضعته في ساعة عند الزوال من يومها ، وأقل ما يتحرك الولد بعد أربعة أشهر ، أو في آخرها ، وقيل بعد ثلاثة أشهر ، وقيل شهران ، وهما ثلث الولادة ، وهو ستة أشهر أقل ما يحيا به الجنين .