{ وَأَمَّا الْجِدَارُ } الذى أقمت { فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ } أصرم وصريم { يَتِيمَيْنِ } مات أبوهما وهما غير بالغين ، ويتم الآدمى بموت الأب ، وابن أمة أمه ، والحيوان بموتها ، والطير بموتهما ، وفى الحديث: « لا يُتم بعد بلوغ » ولا دليل على أنهما بالغان ، وأنهما سميا يتيمين باعتبار ما مضى .
{ فِى الْمَدِينَةِ } هى القرية المذكورة فيما مرّ ، ذكرت هنا بلفظ المدينة إِظهارًا للاعتداد بها لصلاح أبوهما وليتمهما .
{ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا } تحت أساسه الذى بنى عليه ، وذلك أحفظ له ، وحقيقة للتحقية ، وأما جانبه مما يليه فدون ذلك في الحفظ ، ومجاز وهو مال مدفون من ذهب وفضة ، كما في البخارى في التاريخ ، والترمذى والحاكم ، وصححه من حديث أبى الدرداء ، وبه قال عكرمة وقتادة .
وأصل كنز مصدر استعمل بمعنى مكنوز ولا يخفى أنه حل لمن تقدم الكنز ، وأنه حرم علينا ، وهو من حلال لأن أباهما كما وصفه الله صالح ، والمذموم من الكنوز ما لم تؤد منه الحقوق ، وقد قيل: إنه لا يقال لما أديت منه كنز شرعًا قال A: « كل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز » فنقول: المراد هو الكنز المذموم في براءة ، وما أديت منه فليس كنزًا مذمومًا ، بل كنز حلال ، ومن قال الكنز حرام مطلقًا قال إنه حلال من قبلنا إن كنا نؤدى حقوقه .
روى الطبرانى ، عن أبى الدرداء: أُحلت لهم الكنوز ، وحُرِّمت عليهم الغنائم ، وأُحلت لنا الغنائم وحُرِّمت علينا الكنوز ، ومثله لعبد الرزاق ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، عن قتادة قد يعجبنّ الرجل فيقول: ما شأن الكنز حل لمن قبلنا وحُرِّم علينا فإن الله تعالى يحل من أمره ما يشاء ويحرم ما يشاء ، وهى السنن والفرائض ، تحل لأمة وتحرم على أُخرى ، وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه ما كان من ذهب ولا فضة ، ولكنه كان صحف علم .
وروى هذا أيضًا عن ابن جبير ، وأخرج ابن مردويه من حديث علىّ عن رسول الله A ، والبزار على أبى ذَرّ كذلك ، والخرائطى عن ابن عباس موقوفًا أنه كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها ، لا إِله إِلا الله محمد رسول الله A .
وعن عطاء عن ابن عباس أنه مكتوب في الوجه منه: بسم الله الرحمن الرحيم عجبت إلخ ، وفى وجه: أنا الله لا إله إلا أنا وحدى لا شريك لى ، خلقت الخير والشر ، فطوبى لمن خلفته للخير ، وأجريته على يديه ، وويل لمن خلفته للشر ، وأجريته على يديه ولا يجمع بأن الكنز كان ذلك كله ، لأنه خلاف الظاهر ، ولأن ابن عباس قال: ما هو من ذهب ولا فضة .