{ إِذْ } متعلق بيثبت ، أَو بدل من البدل ، أَو بدل ثالث على القول بجواز تعدد البدل أَو الإِبدال من البدل ، ويقدر اذكر إِذ ، وإِذا علق بيثبت تعين عود الهاء إِلى الربط { يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ } الذين حضروا بدرًا { أَنِّى مَعَكُمْ } فى تثبيت المسلمين وإِعانتهم ، والتزلزل بالكفار وترهيبهم ، ومصدر الاستقرار مفعول يوحى ، أَى يوحى ربك إِلى الملائكة ثبوته معكم { فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا } بإِلهام أَن الله ينصرهم ، وبالظهور في جهة المسلمين في صور الرجال يأَنس بكم المؤمنون ، ويرعب منكم الكافرون ، وبالكلام بأَن يمشوا أَمام الصف ، ويقولوا أَبشروا بنصر الله ، وبأَن يقولوا ذلك في الصف ، ويقول القائل منهم سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن . وفسر قوله: إِنى معكم ، أَو قوله: ثبتوا بقوله { سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } الخوف من المسلمين ، ولا دليل في ذلك على أَن الملائكة قاتلوا يوم بدر ، بل الدليل في قوله { فَاضْرِبُوا } أَيها المؤمنون ، خطاب من الملائكة ذكره الله تعالى لنا { فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } لأَن كون الله مع الملائكة لا يتعين أَنه معهم في قتال يكون منهم لجواز أَن يكون الخطاب في قوله أَنى معكم للمؤمنين ، فيكون مقتضى الظاهر: إِذ يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى مع المؤمنين فثبتوهم سأُلقى إِلخ . . .
ولما صرف الكلام لخطاب المؤمنين أَظهر الذين آمنوا في قوله فثبتوا الذين آمنوا ، وعلى هذا التفسير يكون قوله تعالى: فاضربوا خطابًا للملائكة أَيضًا كالتفسير الأَول ، لا للمؤمنين فيبعد دعوى أَنه خطاب للمؤمنين ، وأَن المعنى: لقنوا أَيها الملائكة المؤمنين أَنى أَلقى الرعب ، وأَن يضربوا فوق الأَعناق إِلخ . . فيكون الضاربون المؤمنين لا الملائكة . ولا تتقوى هذه الدعوى بقوله: معكم ، من حيث إِن المعية للخائف ، ولا خوف للملائكة ، لأَن المعية لا تختص بالخوف ، ولا تترجح فيه ، بل هى لمطلق الإِعانة ، وكذا دعوى أَنه خاطب الله من شاءَ لأَنه لا غ ائب عنه ، وحق أَنه لا غائب عنه ، ولكن لا تفسر الآية به ، وفوق إِما مفعول لأَضرب ومعناه الرأْس ، أَو ما اتصل من الأَعناق بالرأس وهو أَعلاها ، على أَنه يلزم الظرفية ، وإِما ظرف ، أَى أَوقعو الضرب فوق الأَعناق ، والذى فوقها هو الرءوس ، أَو يقدر اضربوهم فوق الأَعناق وهو أَعلى العنق . والبنان رءُوس الأَصابع في اليد والرجل ، أَو المفاصل والواحد بنانة ، وخصها بعض باليد ، وقيل: نفس الأَصابع ، وإِنها سميت لأَن بها إِصلاح الأَحوال من أَبن بالمقام وبن به أَى أَقام ، ولذلك خص بالذكر في قوله D { بلى قادرين على أَن نسوى بنانه } وخصت هنا لأَن بها القتل . وقيل: المراد هنا باقى الأَطراف ، قابل بها فوق الأَعناق . فعن ابن عباس أَنها الجسد كله في لغة هذيل ، والآية توجب أَن لا يضرب في الأَدب والحد والنكال والتعزير على القدمين ، لأَن الله D أَمر بضرب المشركين على البنان لأَنه أَسرع في القتل ، والمضروب للأَدب أَو نحوه لا يقصد إِلى قتله ، والبنان أَصابع القدمين واليدين ، وهب أَنها المفاصل ففى القدمين اجتمعت مفاصل البدن كله ، وكذا إِن قلنا أَنها الأَطراف فأَصابع القدمين مثلا من الأَطراف ، والقول بأَن البنان الجسد كله غير مقبول ، وإِن قيل أَنه لغة هذيل فلسنا نفسر القرآن بلغتهم ما وجدنا لغ ة قريش ، وقد قال الله تعالى