{ فرددناه إلى أمه } فقبلوا منها الدلالة ، فدلتهم على أمه مرددناه الى أمه { كى تقرّ عينُها } أمرها فرعون أن تأتى بمن يكلفه ، فأتت بأمه وهو يبكى ولا يقبل عن امرأة ، وفرعون يعلله ، فلما جاءته قبل ثديها ، فقال: من أنت ما قبل إلا تديك؟ قالت: إنى امرأة طيبة الريح ، طيبة اللبن لا أوتى بصبى إلا قبل عنى ، فرجعت به الى بيتها من يومها ، من حين ألقته الى أن رجعت به يوم واحد ، وقيل ثمانية أيام ، وأجرى لها دينارًا في كل يوم نفقة ، وحل لها أخذها كى تقرعينها برجوعه إليها ، في أمن من فرعون بلا خوف ، ولا حذر منه ، إذ كان الرجوع بأمره لعنه الله بإذن الله D للمقدر لذلك .
{ ولا تَحْزن } بعد ذلك لفراقه { ولتَعْلم أنَّ وعْدَ الله حق } ليجدد علمها بأن كل ما وعد الله حق لا يتخلف في شأن موسى وغيره ، فمن ذلك إرساله الموعود به ، وبرده ، وقد وقع الرد ، فكذا يقع الإرسال بالقياس أيضا ، ولا يخفى أن قله D: { ولتعلم أن وَّعْدَ الله حق } يقوى أن الايحاء في قوله D: { وأوحينا الى أم موسى } إيحاء بملك ، بل يتعين لأنا نقول: من أين تعلم بمجرد وقوع الموعود به بالالهام ، أو بالرؤيا؟ إن الإلهام أو لارؤيا وعد من الله ، ولا إشكال ولا سيما مع قوله { ولكنَّ أكْثَرَهم لا يعْلمُون } فإنه يبعد أن يكون المعنى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن الالهام أو الرؤيا لا يتخلف ، أو أنه حق ، فإن الالهام والرؤيا مما يعذر الانسان في عدم الجزم بتحققه ، إذ لا يدرى أنهما من الله جزما ، فالمعنى لا يعلمون أن ما وعد الله هكذا حق لا يتخلف ، أو لا يعرفون وعده تعالى ، ومن علم ذلك اختل عند الملمة بطبع البشر .