{ يمُنُّون } يتلفظون أو يفعلون أفعالا يظهر منها أنهم أصحاب فضل ، أو يعتدون عليك به من الاعتداد ، أو يعدون اسلامهم منة عليك ، أى انعما ، وهو من المن بمعنى القطع كقوله تعالى: { أجر غير ممنون } أىغير مقطوع في أحد الأوجه وهو النعمة التى لا يرجى عليها مكافأة ، لأن يعطيها أقطع بها حاجة معطاها ، فلا يكلفه ثوابا يحتاج الى تحصيله ، ولأنه قطع عن نفسه وجاء ثوابها ، وهم يدعون ذلك مع أنهم طامعون في المكافأة بالغنائم وغيرها ، أو هو النعمة الثقيلة من المن الذى بوزن منه ، ولكن ثقلها هضم شأنها ، وهو عقلى ، وثقل ذلك الميزان حسى ، وكذا ان قلنا ثقلها مشقتها في التحمل بها .
{ قل لا تَمنُّوا علىَّ إسلامكم } مثل ما مرَّ معنى واعرابا ولا يقال في القرآن بالنصب على نزع الجار ما وجد غيره ، بلا تكلف ، وأجيز أن يكون مفعولا من أجله ، أى تتفضلون عليك لاسلامهم { بل الله يمُنُّ عَليْكم أنْ هداكم للايمان } مثل ما مر أى هداكم هداية بيان وارشاد ، فانها نعمة عظيمة ضيعوها ، ولم يعلموا بها { إنْ كُنتم صادقِين } تريدون الصدق ، والجواب محذوف أى فاعملوا بالهداية والارشاد ، ولا تخالفوها ، ويجوز أن يراد بالهداية هداية التوفيق ، فيكون ما قبل ان مغنيا عن جوابها ، أى ان كنتم صادقين في دعوى الاخلاص ، فذلك بهداية الله D ، أى توفيقه ، بالمنة له عليكم لكنكم غير صادقين ، وأكد تكذيبهم بقوله D:
{ إنَّ الله يعْلَم غَيْب السَّمَوات والأرض } أى غائبهما ، أو ذا غيبهما ، وهو ما غاب فيهما عنكم ، وذكر نتيجة عموم علمه بقوله D: { والله بَصيرٌ بما تعْمَلونَ } بقلوبكم وجوارحكم .