{ ذُو مِرةٍ } صاحب استحكام العقل ، فذلك وصف له باستحكام العقل بعد وصفه بقوة بدنه وفعله ، ولا بأس بأن توصف الملائكة بالعقول وهو الصحيح ، والمانع يفسر ذلك بالكناية عن ظهور الآثار البديعة ، وعن ابن عباس: ذو شدة في أمر الله تعالى ، كقول الشاعر نابغة ذبيان: وهنا قوى ذى مرة حازم ، وعنه: ذو منظر حسن ، وعنه ، من طريق السدى: ذو حكمة ، وقيل: ذو خلق طويل حسن ، وعن مجاهد: ذو عقل حسن ، ولا يخفى أن الحكمة خلق حسن ، وفى الحديث: « لا تحل اصدقة لغنى ولا لذى مرة سوى » أى ذى قوة عقل وتدبير سوى البدن ، قادر على الكسب ، وفسر في الحديث أيضا بقوة البدن ، والمرة تدل على زيادة القوة لأنها في الأصل تدل على المرة بعد المرة ، كما يقال: أمررت الحبل أى أحكمت قتله .
{ فاسْتَوى } اعتدل جبريل على صورته في ستمائة جناح ، كل جناح يسد الأفق ، والعطف على محذوف كأنه قيل: هل رآه؟ فقيل: رآن فستوى ، وذلك أن الله D أقدر رسول A على رؤية جبريل عليه السلام ، مع استوائه على صورته ، أو رآه على غير صورته فرجع الى صورته وذهب ، وقيل: العطف على علمه الخ بمعنى علمه فارتفع الى السماء ، فالاستواء بمعنى الارتفاع ، والفاء للترتيب بلا سببية في ذلك كله ، والكلام في ذلك كله منتظم حسن ، وقيل: العطف على علمه الخ بطريق التفسير ، فانه الى قوله: { ما أوحى } بيان لكيفية التعليم ، وفيه أن كيفية التعليم غير منحصرة في قوله: { فاستوى } الخ ، وذكر بعض أن الفاء سببية ، لأن تشكله بشكله يتسبب عن قوته وقدرته على الخوارة ، والظاهر أنه قادر عليها ، ولو كان على صورة البشر أو أقل ، وقيل: ضمير استوى للنبى A .