{ ومِنْ آياته أن يُرسل الرياحَ } الجنوب من سهيل الى الثريا للامطار والانداد ، والصبا منها الى نبات نعش لالقاح الشجر ، والشمال منها الى النسر الطائر فانها رياح الرحمة والدبور منه ، الى سهل ريح العذاب والبلاء ، واهونه غبار قاصف يقذى العين ، وهى اقلها هبوبا ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: كان رسول الله A يقول: « اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا » رواه الطبرانى والبيهقى ، فالرياح للرحمة ، والريح للعذاب ، والعرب تقول لا تفلح السحاب الا من رياح مختلفة ، فكأنه A قال: اللهم اجعلها لقاحا للسحاب ، ولا تجعلها عذابا ، والجمع يأتى في آيات في الرحمة ، والمفرد في العذاب كالريح العقيم ، وريحا صرصرا ، والريح الواحدة من جهة تهد ما قابلت من حيوان ونبات ، ويفوت الجانب الاخر حظه من الهواء ، ولكن جاء الافراد في الخير أيضًا: { وجرين بهم بريح طيبة } { ولسليمان الريح } والحديث المذكور نسبه الى ابن حجر لانه يعلى ، عن انس مرفوعا ، وقال: صحيح ، واما ما مر عن ابن عباس فضعيف لسحين بن قيس في سنده ، اذ هو متروك .
{ مُبشِّرات } بالمطر { وليُذيقُكم من رحْمَه } هى المنافع التابعة للرياح كتذرية الحبوب ، وتجفيف العفونة وسقى الاشجار ، والخصب التابع ، والروح مع هبوبها وغير ذلك ، والواو عاطفة على محذوف ، اى ليبشركم وليذيقكم ، او عطفت محذوفا ، اى ويرسلها ليذيقكم ، وقيل: معنى العلة فيه على معنى يرسل ليبشركم ، كقولك: زيد محسنا على قصد معنى اكرم لاحسانه ، وزعم بعض ان الواو زائد ، وليذيق متعلق بيرسل وهو عجز .
{ ولتَجْرى الفلك } فى البحر { بأمره } بقضائه على وجه يتأتى بهبوبه المطلوب ، وهبوبها مواتية امر من الامور التى لا يقدر عليها سواه تعالى { ولتبتَغُوا } تطلبوا الرزق بالسفر فيها من فضله ، { ولعلَّكم تَشْكُرون } انعامه عليكم بذلكم ، وسلاه A بالوعد له ، والوعيد على من عصاه ، مع التحذير عن الاخلال بالشكر في قوله:
{ ولَقد ارسلنا من قبلك رُسُلًا الى قَومِهِم } كما ارسلناك الى قومك ، والاضافة للجنس فكأنه قيل الى اقوامهم { فجاءهم بالبينات } جاء كل رسول قومه بالبينات كما جئت قومك بالبينات { فانْنقَمْنا من الذَّين أجرْمُوا } اى كذبوا ، آمن بعض وكذب بعض ، فانتقمنا من الذين اجرموا ، ورحمنا من آمن بالنصر دينا واخرى كما قال: { وكان حقا عَلينا نَصْر المُؤمنين } الرسل واتباعهم على المجرمين ، ويجوز ان يكون الذين اجرموا موضوعا موضع المضمر للوصف بالاجرام الموجب للانتقام ، على ان المراد المجموع لا الجميع ، لان فيهم من آمن ، وكأنه قيل فانتقمنا منهم ، وفى قوله: { وكان حقا } الخ تشريف للمؤمنين اذ كان اللفظ بصورة من له حق على الله حاشاه ، واشعار بان الانتقام من اجلهم ، اذ عبر بالنصر لهم على المجرمين ، لان النصر يتصور بين متقابلين .