{ رَبَّنَا } متعلق بتوفنا { وَءَاتِنَا } عطف على توفنا { مَا وَعَدتَّنَا } من الرحمة والفضل والثواب { عَلَى رُسُلِكَ } على ألسنة رسلك ، أو على تصديق رسلك والاقتداء بهم ، أو منزلا على رسلك ، وذلك هو الجنة { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ } سألوا الموعدو لأنهم يدرون بِمَ يختم لهم ، بل لو كانوا على يقين من السعادة ، يكون الدعاء تعبدًا أو تضرعًا واستزادة من الفضل ، ولا سيما مالا يدرى وقته كالنصر ، ففيه ذلك مع الاستعجال ، وقد يحسب الإنسان أنه يحسن صنعا وبيدو له عند موته أو في القيامة ما ليس في فى حسابه ، فسألوا أن لا يخزيهم أى لا يفضحهم الله تعالى ، أى أن يوفقهم ويبقيهم على الخير ظاهرًا وباطنًا ، فذلك حكمة الدعاء بنفى الخزى بعد قوله وآتنا ما وعدتنا ، فإن المثاب لا عقاب عليه ، فالمدعو به أولا الثواب ، وثانيًا العصمة مما يحبط العمل ، وأيضًا الخزى عذاب للروح ، ولا عذاب ولا خزى بعد إيتاء ما وعدوا ، بل مما وعدوا عدم الخزى ، وذلك تلهف منهم وشدة حرص ، كما أنه يجوز أن يراد بالخزى إدخال النار مع أمتهم منها بإيتاء ما وعدوا تلهفًا كذلك ، وإنما دعوا مع علمهم بالسعادة تعبدا أو تذللا وخضوعا ، كقوله تعالى: { رب احكم بالحق } أو لأن الوعد لهم على الأعمال ، فهم يطلبون التوفيق إليها ، أو لأن الموعود النصر ، ولا يدرون وقته ، فهم يدعون باستعجاله { إِنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَادَ } الوعد بالبعث ، وإثابة المؤمن ، وإجابة الداعى ، وفسره ابن عباس بالعبث ، أى ليجزوا خيرًا ، وأصله مطلق الوعد ، والمراد هنا الخير ، ولا مانع من العموم في الخير والشر ، والذى لهم هو الخير ، وهو مصدر ميمى غير مقيس ، والياء عن واو للكسر قبلها ، قال جعفر الصادق: من حزبَه أمر ، أى كَرَبَه ، فقال خمس مرات ، ربنا أنجاه الله قيامًا وقعودًا ، إلى قوله: إنك لا تخلف الميعاد . وعن الحسن: ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم كما قال الله جل وعلا ، وقال موسى: يا رب مرة ، فأجابه الله ، ليك ، فعجب فقال: يا رب إلىَّ هذا خاصة؟ قال: لكل من يدعونى بالربوبية ، قال عطاء والحسن: ما من أخد يقول ثلاثًا يا رب إلا نظر الله إليه ، ونزل فيهم وفى قوله أم سلمة ، وهو كالدعاء يا رسول الله ، ذكر الله الرجال دون النساء قوله:
{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ } دعاءهم { رَبُّهُمْ } أعطاهم مطلوبهم ، وإما أجاب فقد يكون كذلك ، وقد يكون بمعنى إعطاءالجواب ، كقولك: قد سمعت كلامك ، أو سأنظر ، أو لا أفعل ما تطلب ، فهو أعم من الاستجابة { إنِّى } بأبى ، بباء التصوير ، أو التعدية ، أو السببية أى بسب استمرار صلتى على عدم تضييع الأعمال إلا لمن ضيعها بنفسه كما قال { لآَ أُضَيِعُ عَمَلَ عَأمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْْ أُنثَى } متعلق باستجاب ، أو بحال محذوف من اسم الله ، أو من الهاء ، أى مخاطبًا لهم بأنى بكسر الطاء أو مخاطبين بفتحها بأنى ، ذكر الغالب أو أدخل الخنثى في أحدهما على أنه عند الله أحدهما لا قسم ثالث { بَعْضُكُم مِّن بَعْضِ } الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، أو كبعض ، فأنتم سواء في الجزاء بالأعمال وترك إضاعتها فإن كون كل من الآخر لتشعهما من أصل واحد ، ولفرط الاتصال بينهما ، ولانفاقهما في الدين والعمل يستدعى الشركة والاتحاد في الجزاء وترك الإضاعة { فَالَّذِينَ هَاجَرُوا } ما كانوا فيه ، بلد ، وشرك وأحباء ، وأقارب ، وأصهار لوجه الله إلى المدينة ، دار السلام ، وأهله ، وإلى الحبشة ، وأصل الهجرة الترك والإعراض { وَأُخْرِجُ ا مِن دِيَارِهِمْ } بالتضييق عليهم ، لا قهرًا على الخروج ، وهذا أولى من كونه تفسيرًا لهاجروا { وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى } راجع إلى أوذوا ، وإلى إخواجا استعارة أصلية ، واشتق منه أخرج على التبعية { وَقَاتِلُوا } من كفر بالله { وَقُتِلُوا } فى سبيل الله ، وقدم الأول لا للترقى ، لأن القتال قبل المقتولية ، ولأن كونك قاتلا لكافر أفضل من كونك مقتوله ، وقد قتل A رجلا كافرًا ولم يقتل ، والكلام على التوزيع ، لأن منهم من قاتل ولم يقتله المشركون ، ومنهم من أخرج ولم يقاتل ، ومنهم من هاجر ولم يقاتل ، ومنهم من قاتل ولم يهاجر { لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } لا أعاقبهم عليها ، فلا يرى لها أثر عقاب ، فذلك تكفيرها ، أى سترها ، أو لأمحونها من اللوح المحفوظ ، ومن صحتهم ، ومن حفظ الملائكة ، ودواوينهم ، ويكتب بدلها حسنات ، والصغائر تنقر باجتناب الكبائر لقوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون .