{ حم * تنزيلُ الكتاب من الله العَزيز الحَكيم * إنَّ في السَّموات والأرض لآياتٍ } دلالات على وحدانيته قال تعالى ، وقدرته على البعث { للمؤمنين } إن في خلق السموات والأرض ، فحذف المضاف كما ذكر ، وصرح به في آية أخرى ، وكما ذكر في قوله D:
{ وفى خَلْقكُم } والقرآن يفسر بعضه بعضا ولا يلزم ذلك ، بل في نفس السموات والأرض آيات ، إذ ثبتنا بلا أعمدة ، ولا علاقة مع ثقلها وسعتهما ، وهذا دليل عظيم على قدرته تعالى ، وهذا أولى ، أو يراد أن في ما اشتملتا عليه آيات كالشمس والقمر ، والنجوم والجبال ، والمعادن والتحور والشجر ، وإذا قدرنا في خلق السموات والأرض وأريد ذلك باعتبار ما فيهما كان قوله: { وفى خلقكم } عطف خاص على عام فيما قيل: { وما يُبثُّ مِن دابَّةٍ } عطف على الكف ، أى وفى خلق ما يبثه من دابة على جواز العطف على ضمير الجر بلا إعادة للجار ، واختاره أبو حيان ، ولا سيما أن الجار هنا الاسم ، وأن الضمير هنا مفعول به تقديرًا ، وقد اختار بعضهم العطف على الضمير المجرور بالمضاف مطلقا ، وباعتبار أن الانسان دابة يكون عطف عام على خاص ، كما شمل الانسان في قوله تعالى: { وما من دابة في الأرض ولا طائرا } وغيره .
ويجوز أن تكون ما مصدرية ، أى وفى بثه كذا قيل ، ويتعطل عليه قوله: { من دابة } إلأا بتكلف أن من للابتداء ، أى يحصل الله البث من جهة الدابة ، وعلى المنع من العطف على ضمير الجر إلا مع اعادة الجار يكون العطف على خلق ، أى وفى ما يبث من دابة على تقدير مضاف ، أى وفى خلق ما يبث أو بلا تقدير ، فيكون المعنى: إن في ما يبث من دابة آيات من حيث اختلاف صوره وألوانه ، وكثرته ، واختلاف طبائعه وإدراكاته وأعماله ورزقه ، وغير ذلك ، أو ما منصوب عطفا على محل المضاف اليه ، لأنه مفعول به أضيف اليه مصدر ، وفى خلقكم خبر للمبتدأ في قوه سبحانه وتعالى: { آيات لقوم يُوقنون } من شأنهم الايقان بالأشياء على ما هى عليه ، وانما قال هنا: { يوقنون } وفيما قبله { للمؤمنين } وفيما بعده { يعقلون } لأن المنصف اذا نظر في السموات والأرض النظر الصحيح ، على أنها مصنوعة إذلا صنعة بلا صانع ، وأن من صنعها ليس من جنسها ، ولا من جنس غيرها ، وإلا كان محتاجا الى صانع فآمن بالله تعالى ، ولا جنس له حاشاه وأقربه ، واذا نظر الى خلق نفسه وسائر الدواب ، وتنقل ذلك من حال ازداد ايمانا ، وأيقن وزال عنه اللبس .
وإذا نظر الى سائر الحوادث المتددة في كل وقت ، كاختلاف الليل والنهار ، ونزول الأمطار ، وحياة الأرض بعد موتها ، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا ، وقبولا ودبورا ، وشدة وضعفا ، وحرارة وبردة ، وعقل واستحكم عقله ، وخلص يقينه ، وتنكير الآيات في المواضع الثلاثة للتعظيم ، ووجه آخر أن المراد ان كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل ، والابل طلبتم الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل ، وان لم تكونوا من أهل الايمان ، ولا من أهل اليقين ، فلا أقل من أن لكم عقولا تستعملونها في هذه الدلائل والايمان مرتبة خاصة في الايمان والعقل المؤيد بنور البصرة مدار للايمان والايقان ، فجعل لخلوص الايقان من اعتراء الشكوك من كل وجه ، وفى استحكامه كل خير .