{ ومَن أضلُّ ممَّن يدعُوا مِن دُون الله من لا يسْتجيب له } لا أضل من المشركين ولا يساوى لهم ، لأنهم يعبدون أو يسألون حوائجهم من لا يجيب لهم بكلام ولا بقضاء حاجة ، ويتركون القادر المجيب ، أو لا مساوى لهم ، فان استعمال مثل هذا في المساواة مستمعل وارد مقعول ، فاذا انتفت المساواة انتفت الزيادة ، لأن الزيادة تعتبر بعد ثبوت المساواة تحقيقا أو حكما ولو في دفعة { إلى يَوم القيامة } موت الناس دفعة ، أو البعث من القبور ، وهكذا في غير هذا المحل بحسب الامكان ، ووجهه أنه من يث يموت الناس كلهم ، يعد الزمان نوعا واحدا الأحياء في بعضه موتى ، وفى بعضه يبعثون ، وحد نفى الاستجابة بيوم القيامة لها أبدا ، إذ حدها بوقت لا يتوهم إن ثبتت فيه كقولك: لا أكلم عمرا ما دمت حيا ، فبعد الموت أيضا لا تكلمه ، وذلك مما يفهم بالأولى ، ومن باب التنبيه بالأدنى على الأدنى ، وقيل: في مثل ذلك انه عبارة عن التأييد ، ومن ذلك قوله D: { حتى جاءهم الحق } و { إن عليك لعنتى } الخ وخالدين فيها ما دامت الخ ، وقولهم: لا اكلمك ما دام ثبير ، وما تقدم أولى ، وهو أنه من باب المفهوم .
والقول الثانى نص في أنه منطوق ، وذلك في الغاية الموافقة لما قبل ، كما في الآية ، والأمثلة ، وقد اختلف أيضا في المخالفة الجمهور على أنها مفهوم وغيرهم على أنها منطوق ، وادعى بعض أن أهل اللغة على أنها موضوع للمخالفة مثل: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } و { حتى تنكح زوجا غيره } و { حتى يطهرن } والصحيح مذهب الجمهور ، وما من المخالفة انما هو بمعاونة المقام ، واذا قيل: أكرم زيدا حتى يستغنى ، يحتمل أنه يجوز اكرامه بعد الاستغناء ، سواء كان هذا الأمر للايجاب أو للندب ، واذا وصف الاصنام بما للعقلاء من استشعار الاستجابة وتركها ، واستشعار التنبيه للشىء وتركه ، والغفله عنه عبر عنها بما للعقلاء ، من لفظ من ، والو وهم جمع المذكر السالم ، وفى وصفهم بالغفلة ، وترك الاستجابة تهكم .
{ وهُم عَن دعائهم غافلون } استعار لفظ الغفلة التى من شأنها أنها من المدرك لعدم الشعور على الأصلية ، واشتق منه غافلا على التبعية ، والجامع عدم والادراك المطلق ، والجمع لمراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها ولفظ العقلاء مجاراة لهم في شأن أنهم يحسبون الأصنام كالعقلاء ، أو تغليبا لمعبود له عقل كالملائكة والجن المعبودين ، واذا اعتبرناهم فغفلهتهم تارة كغفلة الأصنام إذ غابوا عن العابدين ، كمنا لا يسمعها عيسى في السماء ، وتارة على أصلها ، إذت حضروا وذهلوا ، وتارة ينزلون منولة الذاهل إذ حضروا وعلموا وكرهوا ، أو شغلتهم العبادة عن السمع .
وقد يحضر الجنى ويرضى كأنه كلا عبادة ولا سؤال ، وكذا ميت عبدوه فانه لا شعور له ، كعزير ، فقول جمع بين الحقيقة والمجاز ، أو نحمل الكلام على عموم المجاز وهم وغافلون للمعبودين ، وهاء عبادتهم للعابدين ، من اضافة المصدر للفاعل ، والمفعول محذوف ، أو لمعبودين من اضافة المصدر للمفعول ، وقيل: المعنى ان العابدين غافلوا عن كون عبادتهم من يستجيب ، لا تنفع ، وهو خلاف الظاهر .