فهرس الكتاب

الصفحة 1021 من 6093

{ وَكَذَلِكَ } مثل جَعْلنَا هؤلاء المشركين أَعداءَك يا محمد { جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ } قبلك مفعول ثان { عَدُوًّا } مفعول أَول ، وهو جماعة كما يستعمل للمفرد ، أَلا ترى إِلى قوله { بعضهم } وقوله { ما فعلوه } وقوله { شياطين } بالجمع ، قال:

إِذا أَنا لم أَنفع صديقى بوده ... فإِن عدوى لم يضرهم بغضى

{ شَيَاطين الإِنسِ وَالْجِنِّ } بدل من عدوا ، أَو هو الأَول وعدوا ثان ، والكل متعلق بجعلنا ، أَو حال من عدوا ، والشيطان المفسد العاتى من الإِنس أَو من الجن ، فلكل نبى شياطين من الإِنس وشياطين من الجن ، وشيطان الإِنس أَعظم من سبعين شيطانًا من الجن ، وشيطان الجن إِذا أَعياه المؤمن استعان عليه بشيطان الإِنس فيفتنه ، قال مالك ابن دينار: شيطان الإِنس أَعظم على من شيطان الجن ، إِن تعوذت بالله أَو ذكرت الله ذهب ، وشيطان الإِنس يجرنى إِلى المعاصى عيانا ، والجن كلهم من أَولاد إِبليس ، إِلا أنه يرسل طائفة إِلى الإِنس ليغووهم ولذا أضيفوا إِليهم فقيل شياطين الإِنس ، وطائفة إِلى الجن كذلك ، وعن ابن عباس: الجن هم الجان وليسوا شياطين ، والشياطين ولد إِبليس ولا يموتون إِلا معه ، والجن يموتون ، ومنهم مؤمن ومنهم كافر ، وذلك كما قيل الإِضافة بمعنى اللام ، وقيل للبيان ، وقيل إِضافة صفة لموصوف ، أَى الإِنس والجن والشياطين ، والآية تسلية لرسول الله A بما أَصاب مَنْ قبله من الأَنبياء فيصبر كما صبروا ، ويقال: المصيبة إِذا عمت هانت ، وحجة في أَن الله خلق الكفر وشاءَه كما خلق الخير وشاءَه ، وفيها رد على المعتزلة سواء قلنا جعلنا صيرنا أَو خلقنا أَو أَثبتناه وعلى الوجهين لجعلنا مفعول واحد هو عدوا ، وإِعراب الباقى كما مر ، وزعمت المعتزلة تخلصا من أَنه تعالى خلق المعاصى أَن المعنى: كما خلينا بينك وبين أَعدائك خلينا بين الأَنبياء قبلك وأَعداءَهم ، ولم يمنعهم ليحصل الثواب والعقاب ، أَو أَن الجعل بمعنى طريق التسبب حيث أَرسلنا الأَنبياءَ فحسدهم الكفرة ، أَو أَن المراد: كما أَمرناك بعداوة قومك من المشركين أَمرنا من قبلك بعداوة المشركين ، أَو كما أَخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بها أَخبرنا الأَنبياءَ قبلك وحكمنا ، وذلك باطل وخلاف ظاهر الآية وتكلف بلا داع إِليه سوى التعصب لمذهبهم الباطل { يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } حال من شياطين ، أَو مستأْنف أَو نعت لعدو يرسل في الإِخفاء أَحد النوعين إِلى الآخر { زُخْرُفَ الْقَوْلِ } ملبسه من الباطل يسر شيطان الجن إِلى شيطان الجن قولا في إِغواءِ المؤمنين وفى زيادة إِغواءِ غير المؤمن ، يقول شيطان من الجن لآخر منهم: أَغويت صاحبى بكذا فأَغوه أَنت به ، وكذا يقول له الآخر ، وإِما على أَن الشيطان بعض من الإِنس وبعض من الجن ، فالذى من الجن يوسوس الذى من الإِنس ، فذلك بعض إِلى بعض ، ولو لم يتم من الجانبين ، وقد يطلق الزخرف على المزين الذى هو الحق ، والمراد الأَول لقوله { غُرُورًا } أَى لأَجل الغرور ، أَو غارًّا ، أَو ذا غرور ، أَو يغرون غرورا { وَلَو شَاءَ رَبُّكَ } أَن لا يفعلوا فيكونوا مؤمنين ، ومفعول المشيئة هو مضمون الجزاء على القاعدة كما رأَيته ، وقد بعضهم ولو شاءَ ربك إِيمانهم ، وهو تفسير معنى ، أَو تفسير صناعة بأَن اعتبر ما علق به فعل المشيئة سابقا قبل هذا وقال لو شاءَ ربك ، وفيما يأْتى لو شاءَ الله لأَن ما هنا بعد ذكر العداوة فناسب أَن يذكره بعنوان الأُلوهية المنافية للشرك { مَا فَعَلُوهُ } أَى ما فعلوا الغرور في حقه A وفى حق إِخوانه من الأَنبياء عليهم السلام ، وفى هذا أَيضا رد على المعتزلة { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } اترمهم مع ما يفترونه ، أَو مع افترانهم ، أَو اتركهم واترك افتراءَهم أَو ما يفترونه من الكفر وما دونه من المعاصى مما زين لهم ، أَى ما عليك إِثمهم ، فقد بلغت وليس حسابهم أَو توبتهم عليك ، وهذا مما يقوله الله له ولو بعد نزول القتال ولا نسخ لهذا بآية القتال كما زعم بعض .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت